من حضن الأب إلى حضن الوطن… حين يصفح الوطن يكبر

kapress9 مايو 2025Last Update :
من حضن الأب إلى حضن الوطن… حين يصفح الوطن يكبر


من إعداد المصطفى العياش ــ خالد بدري

في لحظة إنسانية محمّلة بالمعاني، غادر ناصر الزفزافي، المعتقل على خلفية أحداث الحسيمة، أسوار سجن “طنجة 2” ليزور والده المريض، أحمد الزفزافي، الذي يُصارع المرض في مصحة خاصة بالحسيمة. زيارة بسيطة في ظاهرها، عميقة في رمزيتها، كأنها تهمس بأن جسور الأمل تظل قائمة، مهما طال الزمن.

المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج استجابت، في التفاتة إنسانية، لطلب الأسرة، في خطوة أشادت بها أصوات كثيرة رأت فيها نفحة من روح الدولة التي اختارت عبر تاريخها أن تُطوّق الأزمات لا أن تؤبّدها، وأن تُراهن على النفس الطويل بدل منطق القطيعة.

هذه اللحظة، وإن كانت في جوهرها خالصة لمرض الأب وابنه، إلا أنها في عمقها تُعيد إلى الأذهان محطات كبرى عرفت فيها البلاد كيف تلتئم جراحها، وتفتح بوابات العفو، فتصفو القلوب قبل أن تُوقَّع النصوص. وما الوطن، في النهاية، إلا ذاك الكيان الذي يكبر حين يصفح، ويقوى حين يعفو، ويعلو حين يحتضن أبناءه جميعًا، على اختلاف مواقعهم ومساراتهم.

اليوم، حتى ونحن نختلف مع ناصر الزفزافي في مواقفه أو في تأويلاته للحراك، لا يسعنا إلا أن نلتقي معه في هذه اللحظة الإنسانية التي تستدعي العفة، والتسامح، والأمل. وهي القيم التي طالما شكلت جوهر فلسفة العفو الملكي، الذي عرف كيف يُطوّب اللحظات الفارقة، ويُعيد ترتيب البيت الداخلي بهدوء.

ولعل في لقاء الابن بأبيه المريض، ما يُذكرنا بتلك الساعات التي اختار فيها الوطن أن يصفح، فاشتد عوده، واتسعت أجنحته لتظل الجميع، بلا استثناء. وما أجمل أن تُبنى على هذه الخطوة جسور أوسع، تُهيئ الأرض لتكون صالحة لغرس جديد، يقوم على طي صفحة الألم وبعث روح التصالح.

فالزمن، كما يعلم الحكماء، لا ينتظر. والتاريخ يُكتب الآن، بمداد من عفو، لا بحد السيف.
ولكل جرح أوان اندماله، وما الوطن إلا ذاك الحضن الكبير… من حضن الأب إلى حضن الوطن، حين يصفح، يكبر.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News