بقلم: محمد سعد – صحفي مصري، ضيف الدورة الثالثة للمهرجان، مساهمة خاصة لجريدة “كابريس”
بحضور فني وازن وتكريمات نبيلة، أعطيت مساء الخميس 15 ماي 2025، انطلاقة الدورة الثالثة من مهرجان الأطلس للفيلم الدولي بمدينة إيموزار كندر، التي رسخت، منذ تأسيسها، خيار الانتصار للسينما الجادة والتعبير الإبداعي المفتوح على قضايا المجتمع والذاكرة الجبلية.
منذ دورته الأولى سنة 2022، ظل المهرجان وفيًا لهويته كمنصة سينمائية بديلة، تسعى إلى إحياء دينامية ثقافية في مدينة خضراء محاطة بالأطلس المتوسط، وتحويلها إلى ملتقى فني مفتوح على التجريب، والنقاش، والتكريم.
ففي دورته الأولى، كرّم المهرجان أسماء فنية بصمت على حضور راسخ في المشهد السينمائي الوطني، من بينها الفنان الكبير عبد الكبير الركاكنة، كما احتفى بوجوه واعدة تشق طريقها بثبات، مع تنظيم عروض سينمائية في الهواء الطلق، وورشات تكوينية في السيناريو والإخراج، كانت موجهة أساسًا لشباب المنطقة.
أما الدورة الثانية، التي انعقدت سنة 2023، فتميّزت بالانفتاح على البعد الدولي، حيث شاركت أفلام من بلدان مغاربية وأوروبية، وتضمنت تكريمًا خاصًا للفنانة راوية، وندوة علمية تحت عنوان: “السينما والهوية بين المحلي والكوني”، شهدت نقاشات معمّقة حول دور الفيلم في بلورة وعي جماعي.
الدورة الثالثة، التي انطلقت هذا العام، جاءت لتكرّس هذا التراكم، وتمنح للمهرجان أفقًا أكثر نضجًا من حيث التنظيم والبرمجة، حيث شهد حفل الافتتاح، الذي نشّطته الفنانة فاطمة بوجو، توافد عدد من الفاعلين السينمائيين والنقاد والجمهور، في لحظة ثقافية راقية استهلت بترديد النشيد الوطني.
ألقى الناقد محمد مجاهد كلمة ترحيبية، أكد فيها أن المهرجان لم يعد مجرّد تظاهرة عابرة، بل أصبح تقليدًا سنويًا يؤسس لثقافة سينمائية قريبة من الناس، ويمنح مدينة إيموزار كندر موقعها الطبيعي ضمن خريطة الفن السابع.
وقدّم المهرجان في يومه الأول لحظة وفاء استثنائية، تمثلت في تكريم الفنانة فصيلة بنموسى، والفنانين الخمار لمريني ومحمد الصغير، وسط تفاعل جماهيري كبير، اعترافًا بمساراتهم الزاخرة بالعطاء. كما تم التعريف بأعضاء لجنتي التحكيم، وتقديم المشاركين في الكتاب الجماعي “الطابو في السينما بين الجرأة والرقابة”.
واختتمت السهرة بعرض الفيلم الروائي “نجمة” للمخرج محمد المقدم، الذي افتتح سلسلة العروض المبرمجة خلال أيام المهرجان.

وإذا كان اليوم الأول قد حمل نفَسَ الافتتاح والاعتراف، فإن اليوم الثاني من المهرجان، الموافق لـ16 ماي 2025، جاء ليجسد الشق الجمالي للعرض السينمائي المكثف، حيث تم عرض إحدى عشرة تجربة روائية قصيرة من تونس، مصر، باكستان، كندا، أمريكا، سوريا والمغرب، وذلك أمام جمهور متعطش للفن السابع، وبحضور عدد من المخرجين الذين قدّموا أفلامهم بأنفسهم في جلسات مباشرة مع المتفرجين.
وقد واصلت أجواء الفرجة عبر عرض فيلم “البانوراما” تحت عنوان “أصداء الصحراء” للمخرج رشيد قاسمي، الذي زاوج بين البعد البصري والامتداد الجغرافي لموضوع الصحراء.
كما شهد هذا اليوم مبادرة فنية وسياحية فريدة، تمثلت في خرجة صبيحية إلى جبل كندر، الذي يحمل اسم المدينة، في إطار تفعيل شعار الدورة: “السينما والسياحة… رافعتان للتنمية المجالية”. وقد تحولت هذه الخرجة إلى لحظة تواصل عفوية بين ضيوف المهرجان، عبر سمر فني مفتوح على النقاش والتأمل في سبل التلاقي بين الصورة والسياحة.
إنه مهرجان الأطلس للفيلم الدولي… مشروع فني نبت من الأرض، واستنبت الأمل في مدينة لا تزال تؤمن بأن السينما يمكن أن تكون رافعة للثقافة والتنمية، وسؤالاً مفتوحًا على المستقبل.
