تحليل من إعداد: المصطفى العياش ــ خالد بدري
في مشهد إعلامي غير مسبوق من حيث الحدة والتوقيت، استغل إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مروره في برنامج “نقطة إلى السطر” على القناة الأولى مساء الثلاثاء، لتوجيه مدفعية ثقيلة من الاتهامات إلى قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي، متحدثًا بلغة واثقة تكشف عن تحول في نبرة المعارضة البرلمانية، بل وحتى في معادلات التوازن داخلها.
انسحاب “ملغوم” أم تنسيق موجه؟
الأزمي، المعروف ببروده البرلماني وقدرته على تصعيد النبرة دون الانفلات من الإطار المؤسساتي، أخرج من جعبته ما يشبه شهادة سياسية موثقة ضد حزب الاتحاد الاشتراكي، حين وصف انسحابه من مبادرة ملتمس الرقابة بـ”المشبوه”، متهمًا إياه بشكل غير مباشر بخدمة أجندات من داخل الأغلبية الحكومية.
وقال الأزمي، في نبرة لا تخلو من مرارة: “الذين يبدون كمعارضة في الواجهة، لا يملكون قرارهم، بل يتلقون التعليمات من خلف الستار”. وهنا لا يخفي المتحدث إشارته إلى وجود خيوط تواصل خفية بين قيادة الاتحاد الاشتراكي ودوائر في الحكومة، في ما يشبه صفقات صامتة تُعطل دينامية الرقابة البرلمانية.
ورقة ملتمس الرقابة… أداة تفاوض أم أداة مبدئية؟
في تحليله للمشهد، يضع الأزمي يده على بيت الداء، حين يعتبر أن “ملتمس الرقابة” تحول إلى مجرد ورقة ضغط تُستخدم لانتزاع مكاسب تفاوضية، بدل أن تكون أداة دستورية لتصحيح اختلالات العمل الحكومي. وهو ما يعني، بحسب الأزمي، أن بعض مكونات المعارضة أصبحت توظف أدوات المراقبة البرلمانية تكتيكياً، لا مبدئياً.
ويستحضر الأزمي السياق السابق لتعديل حكومي مر من دون ضجيج، حيث يتهم الاتحاد الاشتراكي بالركوب على اللحظة نفسها لتضخيم دوره، وإيهام الرأي العام بامتلاكه وزناً سياسياً أكبر من موقعه الفعلي داخل المعارضة.
معارضة “ثنائية اللسان”؟
واحدة من النقاط التي توقف عندها الأزمي هي ما سماه “الازدواجية المقلقة في الخطاب والممارسة”، حيث يظهر الاتحاد الاشتراكي كمكون معارض في العلن، بينما يتحرك بتنسيق ميداني ـ غير معلن ـ مع دوائر نافذة في الأغلبية، وهو ما يؤدي إلى تبخيس الفعل البرلماني وتقويض ثقة الرأي العام في مصداقية المعارضة.
رسائل مشفرة في توقيت حساس
اللافت أن خرجة الأزمي تأتي في ظرف سياسي بالغ التعقيد، حيث تواجه الحكومة موجة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة، كان من شأن تنسيق معارض موحد ومسؤول أن يُعيد التوازن للنقاش العمومي. إلا أن “تفكك الجبهة المعارضة” الذي حذر منه الأزمي قد يُضعف أي محاولة لمساءلة الحكومة في ملفات حساسة مثل القدرة الشرائية، وتدبير المرفق العام، واستراتيجية الدولة الاجتماعية.
خلاصات أولية: هل نحن أمام تصدع علني في معارضة لا تجيد الاصطفاف؟
الأكيد أن تصريحات الأزمي لن تُقرأ في معزل عن الديناميات الداخلية للمعارضة، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة. فبين من يوظف ورقة الرقابة للمساومة، ومن يصر على الخط النضالي المؤسساتي، تظهر بوادر قطيعة سياسية قد تتطور إلى مواجهة مفتوحة، تُعيد رسم خريطة المعارضة، وتكشف من هو “المعارض الحقيقي” ومن يتقن التموقع في هامش الخطوط الرمادية.