المقال من إعداد المصطفى العياش ــ خالد بدري
بينما يشهد العالم تحولات اقتصادية وبيئية جذرية، تواصل مجموعة “OCP” والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) تعزيز شراكتهما الاستراتيجية من خلال توقيع اتفاقيتي تمويل تتعلقان بالتحول الطاقي والفلاحة المستدامة في المغرب وإفريقيا. من خلال هذه الاتفاقيات، تفتح الأبواب أمام نموذج تنموي شامل يرتكز على الممارسات البيئية المستدامة والتوجه نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
تحليل الاتفاقيات:
الاتفاقية الأولى تركز على برنامج استثماري أخضر بقيمة 350 مليون دولار أمريكي يمتد بين 2023 و2027، وهي خطوة محورية في استراتيجية مجموعة “OCP” نحو تحقيق حياد كربوني بحلول 2040. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ستتمكن المجموعة من تنفيذ هذا البرنامج الطموح؟ يعكس هذا الاستثمار توجهاً واضحاً نحو الطاقات المتجددة والمياه غير التقليدية، وهو ما يعكس مدى أهمية المياه والطاقات النظيفة كعوامل رئيسية في استدامة الصناعة الفلاحية.
تعتبر هذه الخطوة بالغة الأهمية في سياق المغرب الذي يواجه تحديات مناخية متزايدة، مثل ندرة المياه وتأثيرات التغيرات المناخية على الفلاحة. وفقًا لهذا البرنامج، يهدف “OCP” إلى تحسين قدرة المجموعة على إنتاج الهيدروجين والأمونياك الأخضر، اللذين يعدان من الحلول الواعدة لمستقبل الطاقة النظيفة. ومن خلال الاستثمارات في الطاقات المتجددة، يسعى المغرب إلى أن يكون جزءًا من التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، وهو ما يعكس التزام الدولة المغربية بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
البعد الاجتماعي والتنمية المستدامة:
أما فيما يخص البرنامج الثاني، فتأتي منصة “ماڤا” (MAVA) كأداة رئيسية لدعم الفلاحة الإفريقية. المنصة، التي تلقى دعماً من مبادرة INNOVX، تهدف إلى تعزيز سلاسل الإنتاج الفلاحي عبر إفريقيا. وهي تتوجه بشكل خاص إلى المقاولات الناشئة والمبادرات المحلية، ما يشير إلى التزام واضح من مجموعة “OCP” بتطوير الأنظمة الغذائية المستدامة في القارة الإفريقية، والتي تشهد نمواً متسارعاً في حاجة السكان إلى الغذاء.
هنا تبرز أهمية التمويل المستدام والمبتكر للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل شريان الاقتصاد المحلي. فإفريقيا، القارة التي تملك إمكانيات هائلة في القطاع الفلاحي، تواجه تحديات عدة في مجال التنمية المستدامة، أبرزها ضعف القدرة على الوصول إلى الأسواق والتمويل. تقدم هذه الاتفاقية من خلال دعم المبادرات المحلية حلاً عملياً لتحسين الإنتاجية الزراعية والتكيف مع التغيرات المناخية.
الاستدامة البيئية والتحديات المستقبلية:
تتسم المشاريع التي تم إطلاقها بمقاربة بيئية شاملة تأخذ في الاعتبار القضايا المناخية والتنوع البيولوجي. فالتوجه نحو الأسمدة الخضراء يهدف إلى تحسين الإنتاج الزراعي مع تقليل التأثيرات السلبية على البيئة. هذه التحولات ستدعم البلدان الإفريقية في مواجهة التحديات البيئية الكبرى مثل تدهور التربة والجفاف، مع تعزيز القدرة على التكيف مع تغيرات المناخ.
آفاق التنمية الاقتصادية:
تستمر مجموعة “OCP” في تعزيز مكانتها كفاعل رئيسي في الصناعات الاستراتيجية للمغرب، من خلال الاستثمارات في الطاقة والمياه. هذا الطموح لتوسيع قدرات تحلية المياه إلى 560 مليون متر مكعب سنويًا بحلول 2027 يعكس رؤية استراتيجية للموارد الطبيعية في المملكة. ويعزز من ذلك رغبة “OCP” في الوصول إلى 100% من الطاقات المتجددة خلال نفس الفترة.
الاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها المجموعة تؤكد أن “OCP” لم تقتصر على تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل تسعى إلى توسيع نطاق أعمالها عبر إفريقيا، مما يعكس قوة اقتصادية إقليمية تدعمها مشاريع طاقة متجددة، وهو ما يمثل خطوة نحو تحقيق الأمن الغذائي والمائي للقارة.
إن توقيع الاتفاقيات بين “OCP” و”AFD” يعتبر بمثابة مرحلة جديدة في التزام المغرب بالتحول البيئي المستدام، ويجسد طموحات البلاد في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المدى البعيد. وفيما تركز هذه الاتفاقيات على القطاعات الفلاحية والطاقية، فإن تأثيرها يمتد إلى تعزيز اقتصادات إفريقيا وتوفير حلول مبتكرة وفعالة لمواجهة التحديات البيئية والاجتماعية، مما يسهم في بناء نموذج تنموي أكثر استدامة وشمولية في المنطقة.