عندما يتحوّل التراث الهواري إلى سلعة: بين الإبداع والاستغلال

kapress14 يناير 2026Last Update :
عندما يتحوّل التراث الهواري إلى سلعة: بين الإبداع والاستغلال

بقلم : رضا الدحماني

في السنوات الأخيرة، أصبح الفلكلور والدقة الهوارية يحضران بقوة في السهرات، المهرجانات، ومقاطع الفيديو الموسيقية، لكن هذا الحضور، الذي كان من المفروض أن يكون اعترافا بقيمة هوارة الثقافية، بدأ يأخذ منحى مقلقا. فرق موسيقية لا تربطها أي علاقة بالمنطقة أصبحت تستعمل هذا التراث فقط من أجل الربح المادي، دون أي إشارة لمصدره، ودون احترام لأهله أو لفنانيه.
الدقة الهوارية ليست مجرد إيقاع أو لحن قابل لإعادة التدوير، بل هي تعبير عن تاريخ طويل، عن مقاومة وهوية وهوارة. كل إيقاع فيها يحمل ذاكرة جماعية، وكل لحن هو امتداد لأصوات رجال ونساء عاشوا على هذه الأرض وعبروا عن أفراحهم ومعاناتهم من خلالها.
المشكل اليوم ليس في انتشار هذا التراث، بل في الطريقة التي يُستعمل بها. حين تأخذ فرقة موسيقية من خارج هوارة دقة هوارية، وتقدمها في عروض مدفوعة أو أعمال تجارية دون ذكر المنطقة، أو دون الاعتراف بالفنانين الأصليين، فهي لا تساهم في التعريف بالتراث، بل تفرغه من معناه وتحوله إلى منتوج قابل للبيع فقط.
الأخطر من ذلك أن هذا الاستغلال يتزامن مع تهميش واضح للفنانين الهواريين. كثير منهم لا يجدون فرصا للظهور، ولا دعماً للمشاركة في المهرجانات، في حين تُفتح الأبواب لفرق خارجية تستعمل نفس التراث الذي هم ورثته الحقيقيون. هكذا يتحول أصحاب الأرض إلى متفرجين، بينما يجني الآخرون ثمار ثقافتهم.
الثقافة، حين تُستعمل بشكل أخلاقي، تكون جسراً للتبادل والتعاون بين المناطق. لكن حين تُستعمل بدون اعتراف ولا إنصاف، تتحول إلى شكل من أشكال السطو الرمزي. هوارة لا ترفض أن يغنى تراثها خارج حدودها، لكنها ترفض أن يُستعمل ضدها، وأن يربح به دون أن يعود أي شيء لأبنائها.
حماية الدقة والفلكلور الهواري اليوم لم تعد مسألة فنية فقط، بل قضية كرامة ثقافية. الاعتراف بالمصدر، إشراك الفنانين المحليين، ودعمهم، هو الحد الأدنى من الاحترام لهوية منطقة أعطت الكثير وما زالت تهمش

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News