محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز: بين منطق العدالة وسؤال المستقبل

kapress14 مايو 2025Last Update :
محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز: بين منطق العدالة وسؤال المستقبل

متابعة: المصطفى العياش

بعد مسار قضائي طويل استأثر باهتمام الرأي العام داخل موريتانيا وخارجها، أصدرت محكمة الاستئناف المختصة في قضايا الفساد، يوم الأربعاء، حكمًا بالسجن خمسة عشر عامًا نافذة في حق الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، مع تغريمه مبلغ مليار أوقية موريتانية، وذلك بعد إدانته بتهم تتعلق باستغلال النفوذ وسوء استخدام الوظيفة وإخفاء العائدات الإجرامية.

القرار القضائي جاء تتويجًا لسلسلة من الجلسات التي خضعت لمراقبة دقيقة من المجتمع المدني، والمهتمين بالشأن العام، مما أضفى عليه طابعًا استثنائيًا، لا من حيث المعطيات المعروضة، ولا من حيث تداعياته السياسية والقانونية.

بين دولة القانون وخصوصية المرحلة

الحكم الصادر يمكن قراءته في إطار سعي الدولة الموريتانية إلى ترسيخ استقلالية القضاء، وإثبات قدرة المؤسسات على التعامل مع الملفات الكبرى بمعزل عن الانتماءات أو الحسابات الشخصية. وإذا كان البعض قد رأى في هذا الحكم لحظة فاصلة تعكس نضج التجربة الديمقراطية الموريتانية، فإن آخرين دعوا إلى ضرورة حماية هذا المسار من أي توظيف أو تسييس، كي لا يُساء فهمه أو يُستغل في سياقات غير قضائية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المحكمة لم تقتصر في قراراتها على الرئيس السابق فقط، بل شملت كذلك شخصيات من محيطه، كما قررت حل هيئة الرحمة الخيرية ومصادرة أملاكها، وهي الهيئة التي كان يديرها أحد أفراد عائلته. وهي معطيات تؤشر إلى جدية التعامل مع هذا الملف بمنطق شمولي يحترم المساطر القانونية، ويكرس مبدأ المساواة أمام القضاء.

تفاعل مجتمعي وحرية التعبير

ما ميز المحاكمة أيضًا هو الزخم الشعبي والإعلامي المواكب لها، إذ عرفت جلسات النطق بالحكم لحظات انفعال واحتجاج داخل القاعة، عكست مدى تفاعل المواطنين مع مجريات الملف، وحرصهم على التعبير عن مواقفهم، سواء تأييدًا أو اعتراضًا، في أجواء تُظهر، في مجملها، تطورًا في الوعي القانوني والسياسي داخل المجتمع الموريتاني.

من المحاسبة إلى المصالحة؟

المرحلة المقبلة قد تطرح تحديات من نوع جديد، ليس فقط على المستوى القضائي، بل أيضًا في ما يتعلق بترميم الثقة، وحماية الوحدة الوطنية، وضمان ألا تتحول المحاكمة إلى شرخ دائم في المشهد السياسي أو المجتمعي. فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي تخطو نحو العدالة الانتقالية أو المحاسبة المؤسسية، تكون مدعوة بالتوازي إلى فتح نوافذ للمصالحة، دون التفريط في قواعد الشفافية والمسؤولية.

لقد قال القضاء كلمته، ويبقى الآن على الجميع – مؤسسات، نخب، وفعاليات مجتمعية – أن يساهموا في ترجمة هذه اللحظة إلى رصيد وطني مشترك، يحمي الحاضر، ويبني المستقبل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News