2026.. محطة لإنهاء الاحتراف الانتخابي وتجديد النخب البرلمانية

kapressدقيقتان agoLast Update :
2026.. محطة لإنهاء الاحتراف الانتخابي وتجديد النخب البرلمانية

مع اقتراب الاستعدادات للانتخابات التشريعية لسنة 2026، يعود النقاش بقوة حول ضرورة تجديد النخب البرلمانية، والقطع مع منطق “الاحتراف الانتخابي” الذي حوّل بعض المقاعد إلى ملكيات انتخابية مغلقة. فالمطلب اليوم لم يعد مجرد نقاش أكاديمي أو رأي معزول، بل بات قضية جوهرية ترتبط بمستقبل الديمقراطية المغربية وثقة المواطن في مؤسساتها التمثيلية.

مأزق الاستمرارية

تحوّلت بعض الدوائر الانتخابية إلى فضاءات شبه محتكرة من طرف أسماء بعينها، ما خلق حالة من “الاحتراف الانتخابي” التي انعكست سلباً على حيوية البرلمان، وأضعفت حظوظ الشباب والنساء والكفاءات في ولوج المؤسسة التشريعية.

لكن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بوجود هذه الأسماء، بل بغياب قاعدة قانونية واضحة تمنع الاستمرارية المطلقة. ففي غياب سقف للولايات، يصبح الترشح المتكرر حقاً مفتوحاً بلا حدود، وهو ما يحوّل المقاعد البرلمانية إلى ملكيات انتخابية ثابتة، بدل أن تكون تكليفاً ديمقراطياً محدود المدة.

ولذلك، فإن تحديد ولايتين كحد أقصى ليس تضييقاً على حرية الاختيار، بل آلية لإعادة الاعتبار لمفهوم التداول السياسي. فالمواطن عندما يصوت، لا يبحث فقط عن اسم مألوف، بل عن مؤسسة حية تتجدد بوجوه جديدة وأفكار مختلفة. ومن هنا يصبح التنافي قاعدة منطقية لإنهاء مأزق الاستمرارية، وضمان أن البرلمان يظل مجالاً لتجديد النخب لا لتدوير نفس الأشخاص.

نحو مقاربة جديدة

الرهان اليوم لم يعد مجرد مطلب ظرفي، بل ضرورة سياسية لضمان حركية وتوازن داخل الحياة البرلمانية. تحديد عدد الولايات، سواء بولايتين متتاليتين أو عبر آليات تمنع الاحتكار الدائم للمقاعد، من شأنه أن يفتح الطريق أمام قيادات جديدة، ويعيد الاعتبار لفكرة التداول الديمقراطي كجوهر للممارسة السياسية.

ما الذي يجب فعله؟

رغم أن القانون التنظيمي الحالي لمجلس النواب لم يتطرق إلى مسألة عدد الولايات، إلا أن الحل يبقى في إرادة المشرّع. فالدستور المغربي لم يمنع هذا الخيار ولم يجزه صراحة، ما يعني أن الباب مفتوح أمام تعديل تشريعي يُدرج مادة واضحة تحدد سقف الترشح. هذه الخطوة يمكن أن تتم من خلال مراجعة القانون التنظيمي للبرلمان، وهو إجراء يظل في متناول المؤسسة التشريعية نفسها، إذا توافرت الإرادة السياسية لذلك.

ولتقريب الصورة للقارئ، يمكن أن تتم صياغة مادة قانونية على الشكل التالي:

“لا يجوز لأي نائب برلماني أن يترشح لعضوية مجلس النواب لأكثر من ولايتين متتاليتين.”

هذه الصياغة البسيطة كفيلة بإحداث تغيير جذري في المشهد البرلماني، إذ تفتح المجال أمام تنافسية حقيقية، وتمنع الاحتكار السياسي للمقاعد الانتخابية.

الإرادة السياسية العليا مدخل للإصلاح الحقيقي

لا يمكن لمطلب تحديد عدد الولايات أن يتحقق فقط بنقاش حزبي أو بضغط من الشارع، بل يحتاج إلى إرادة سياسية عليا تضع مصلحة الديمقراطية المغربية فوق الحسابات الحزبية الضيقة. فالتجارب السابقة أبرزت أن الإصلاحات الجوهرية، مثل إقرار لوائح النساء والشباب، لم تكن لتُعتمد لولا وجود قرار استراتيجي يدفع الأحزاب إلى القبول بها، رغم ما واجهته من تردد أو مقاومة.

وبالتالي، فإن إدراج سقف للولايات البرلمانية يتطلب اليوم نفس النوع من القرارات الكبرى التي تعطي إشارة واضحة بأن تجديد النخب خيار وطني وليس مجرد مطلب ظرفي. فالبرلمان يملك الأداة التشريعية لتعديل القانون التنظيمي، لكن الإرادة العليا هي التي تحدد الاتجاه وتمنح الإصلاح قوته ومشروعيته.

إعادة النظر في اللوائح والدوائر

وإذا ما نجح النقاش العمومي والتشريعي في بلوغ هدف تحديد ولايتين كحد أقصى، فإن الخطوة الموازية والضرورية تكمن في إعادة النظر في نمط اللوائح الانتخابية. فالتجارب السابقة بينت أن اللوائح، رغم إيجابياتها، خلقت مسافة بين الناخب وممثليه، وأحياناً جعلت الاختيار السياسي غير شفاف بالشكل الكافي.

إن العودة إلى الدوائر الانتخابية المباشرة، حيث يعرف المواطن بدقة من سيمثله داخل البرلمان، ستعزز منطق القرب وتعيد الثقة إلى العملية الانتخابية. فالتداول الحقيقي للنخب لا يتحقق فقط بفرض سقف الولايات، بل أيضاً بتمكين الناخب من اختيار ممثله بشكل مباشر وواضح.

وبهذه الطريقة يمكن كذلك محاربة العزوف الانتخابي، خصوصاً إذا ما تم اعتماد التصويت بالبطاقة الوطنية كآلية مبسطة ومباشرة لولوج صناديق الاقتراع. فهذا الإجراء سيزيل الكثير من التعقيدات التقنية، ويقرب العملية الديمقراطية من المواطن العادي، بما يضمن مشاركة أوسع ويعزز الشرعية الشعبية للمؤسسات المنتخبة.

2026: فرصة لتجديد النخب وإغلاق باب الاحتراف الانتخابي

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في النقاش حول حرية الناخب أو حقه في تجديد الثقة، بل في وضع قواعد قانونية واضحة تجعل ولايتين برلمانيتين كحد أقصى، وتمنع استمرار نفس الوجوه في احتكار المقاعد لعقود. فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتداول وتجديد النخب السياسية.

إن تكريس مبدأ التنافي في الترشح لأكثر من ولايتين سيشكل خطوة عملية لضمان التداول الديمقراطي، وسيفرض على الأحزاب نفسها البحث عن طاقات جديدة ومنح الفرصة للشباب والنساء والكفاءات للولوج إلى البرلمان. وهو إجراء كفيل بقطع الطريق أمام رموز “الاحتراف الانتخابي”، وفتح صفحة سياسية جديدة مع اقتراب انتخابات 2026، تؤكد أن الديمقراطية المغربية قادرة على تجديد دمائها كل دورة انتخابية.

بقلم: المصطفى العياش __ فاعل سياسي

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News