الصناعة التقليدية بدرعة تافيلالت.. كنز اقتصادي وتراثي يواجه اختلالات الحكامة وغياب رؤية تنموية واضحة

kapress5 ساعات agoLast Update :
الصناعة التقليدية بدرعة تافيلالت.. كنز اقتصادي وتراثي يواجه اختلالات الحكامة وغياب رؤية تنموية واضحة


متابعة: زكرياء الإشرة
تعيش الصناعة التقليدية بجهة درعة تافيلالت وضعا متناقضا يجمع بين غنى المؤهلات الطبيعية والتراثية من جهة، وتراكم الإكراهات البنيوية والتدبيرية من جهة أخرى، في وقت يراهن فيه عدد من الفاعلين المحليين على تحويل هذا القطاع إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياحية بالمنطقة.
وتعد الجهة، وخاصة الرشيدية، من أبرز المجالات المغربية الغنية بالموروث الحرفي الأصيل، حيث تحتضن عشرات التعاونيات والحرفيين الذين ينشطون في مجالات متعددة تشمل النسيج التقليدي، والحايك الفيلالي، والزربية الأمازيغية، والفخار الصحراوي، والصناعات المرتبطة بالنخيل، إضافة إلى الصناعات المعتمدة على الأحجار الرخامية والمنتجات النباتية المحلية.
هذا التنوع الحرفي لا يمثل فقط امتدادا لهوية ثقافية ضاربة في عمق التاريخ، بل يشكل أيضا موردا اقتصاديا مهما لآلاف الأسر، خاصة بالمناطق القروية والواحية، حيث تساهم النساء بنسبة مهمة داخل التعاونيات الحرفية، ما يجعل الصناعة التقليدية أحد القطاعات القادرة على تعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق التنمية المحلية.
ورغم هذه الإمكانيات الكبيرة، فإن عددا من الفاعلين والمهنيين يعتبرون أن القطاع ما يزال يعيش على وقع اختلالات متعددة، أبرزها ضعف الحكامة وغياب رؤية تنموية واضحة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والسياحية التي تعرفها الجهة، إضافة إلى استمرار التخوفات المرتبطة بمنطق الزبونية والمحسوبية في تدبير بعض الفضاءات والمشاريع المرتبطة بالصناعة التقليدية.
وفي هذا السياق، يثير مشروع توسعة مجمع الصناعة التقليدية بمدينة الرشيدية نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية، بعدما كان ينظر إليه باعتباره خطوة مهمة نحو خلق فضاء احترافي حديث يمكن الحرفيين والتعاونيات من عرض وتسويق منتجاتهم في ظروف أفضل، بما يساهم في إعطاء دفعة جديدة للقطاع.
غير أن عددا من رؤساء التعاونيات والمهنيين عبروا عن مخاوفهم من أن يتحول هذا المشروع إلى فضاء يخضع لمنطق العلاقات الشخصية والامتيازات الضيقة بدل تكريس مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية، مطالبين بإسناد تدبيره إلى كفاءات مهنية مستقلة تعتمد مقاربة تشاركية تضمن العدالة بين مختلف الحرفيين.
ويؤكد متابعون أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بالبنيات التحتية، بل بغياب سياسة متكاملة للنهوض بالصناعة التقليدية بالجهة، تقوم على التكوين والتأهيل والتسويق وربط المنتوج المحلي بالسياحة الثقافية والرقمية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها السوق الوطني والدولي.
كما يرى مهتمون أن الصناعة التقليدية بدرعة تافيلالت لا ينبغي اختزالها في بعض الحرف المعروفة، بل يجب الانفتاح على مختلف المهن التراثية التي تزخر بها الجهة، والعمل على تثمينها عبر تنظيم معارض وطنية ودولية متخصصة، من بينها معارض الأحجار الرخامية والمنتجات الواحية والتراثية مثل “الكناع” و”تاحروت” والقفطان التقليدي، بما يساهم في التعريف بالموروث المحلي وفتح أسواق جديدة أمام الحرفيين.
ومن بين أبرز المطالب المطروحة أيضا، إحداث مركز للتكوين المهني متخصص في حرف الصناعة التقليدية، بهدف تكوين جيل جديد من الصناع التقليديين القادرين على تطوير هذه المهن وضمان استمراريتها، خصوصا في ظل تراجع اهتمام الشباب بعدد من الحرف المهددة بالاندثار.
ويعتبر مهنيون أن الحفاظ على الصناعة التقليدية لا يمكن أن يتحقق عبر التسويق فقط، بل يحتاج إلى نقل الخبرات والمهارات إلى الأجيال الصاعدة، وتوفير مواكبة حقيقية للحرفيين والتعاونيات في مجالات التكوين والتمويل والتسويق الرقمي والترويج السياحي.
وفي خضم هذه التحديات، تتجه الأنظار نحو مختلف المؤسسات المعنية بالقطاع، من بينها الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان وغرفة الصناعة التقليدية، حيث يطالب الفاعلون المحليون ببرامج أكثر فعالية ووضوحا تستجيب لانتظارات الحرفيين وتساهم في الرفع من مردودية القطاع وتحسين أوضاع العاملين فيه.
ويرى متابعون أن جهة درعة تافيلالت تمتلك كل المقومات لتصبح قطبا وطنيا ودوليا للصناعة التقليدية والسياحة الثقافية، بالنظر إلى غنى تراثها وتنوع مؤهلاتها الطبيعية والإنسانية، غير أن تحقيق هذا الرهان يظل مرتبطا بإرساء حكامة جيدة قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة وإشراك المهنيين الحقيقيين في صناعة القرار.
فالصناعة التقليدية لم تعد مجرد نشاط تراثي أو ثقافي، بل أصبحت قطاعا اقتصاديا استراتيجيا قادرا على خلق الثروة وتقليص البطالة وتنشيط الاقتصاد المحلي، إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية لتثمينه واستثماره بالشكل الصحيح.
ويبقى الرهان اليوم، حسب عدد من الفاعلين، هو الانتقال من مرحلة الخطابات والشعارات إلى مرحلة تنزيل مشاريع عملية وواقعية، قادرة على إعادة الاعتبار للحرفيين والتعاونيات، وتحويل الصناعة التقليدية بدرعة تافيلالت إلى رافعة تنموية حقيقية تحفظ التراث وتخلق فرص المستقبل في الآن نفسه.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News