بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،اكتوبر،2023
مقال (85),2023.
العملية العسكرية التي قامت بها حماس في غلاف غزة وفوق اراضي تحت الاحتلال الاسرائيلي ،هي عملية غير مسبوقة لا من حيث توقيتها الذي لم تعلم به لا المخابرات الإسرائيلية ولا الأمريكية ، و عجزت عن التصدي له كل الرادارات و الاسلاك الشائكة و الاسوار الإسمنتية ، ولا من حيث حصيلته في القتلى والاسرى و الرهائن .
عملية لقيت مقاومة طفيفة بسبب حدوثها صبيحة يوم السبت الذي هو يوم عطلة بإسرائيل ،وكأننا نسمع لأول مرة ان قواعد عسكرية- يفترض أنها في الحدود- جنودها يكونون في عطلة !!!
العملية اسفرت عن جلب اسرى من الجيش الاسرائيلي و رهائن من المدنيين من مختلف الجنسيات ، وكلا الطرفين يعطي ارقام تقديرية و أولية ، ولا وجود الى حدود الساعة لأي ردة فعل من الدول التي يفترض أن مواطنيها رهائن عند المقاومة حماس .
وبصدق فإن برودة ردة الفعل من الدول إزاء رعاياهم يطرح اكثر من سؤال حول ماذا يريد كل واحد من هذه النازلة ؟
إسرائيل قبل أن تنهي جرد خسائرها ،او تبادر إلى استرجاع” اراضيها” من المقاومة ، إكتفت بالقصف الجوي العشوائي الذي يستهدف المدنيين .
كان كل هم اسرائيل هو الاجتماعات و توحيد الجبهة الداخلية و إعلان الحرب ، مع ما يعنيه ذلك من حالة الاستثناء و الطوارئ و تجميد المؤسسات .وهو ما يناسب كثيرا من الجهات داخل اسرائيل منذ مدة، ووجدت ضالتها في طوفان الاقصى .
الولايات المتحده الامريكية التي سارعت إلى إرسال حاملات الطائرات الى المنطقة يعيد النقاش حول قدرات اسرائيل العسكرية التي ترهب في المنطقة .
فهل اسرائيل عاجزة عن مقاتلة فصيل فلسطيني واحد محاصر في قطاع غزة ؟ وما حاجتها للإمداد العسكري ؟!!!
لفهم ما يجري لابد من عرض المواقف الدولية مما حدث ، طبعا الدول العربية بما فيها الجامعة العربية كعادتها تدعو لضبط النفس و العودة إلى خطة السلام و الشرعية الدولية لحل الدولتين و بعض هذه الدول تحمل اسرائيل مسؤولية ما يقع وما وقع وما سيقع .
روسيا وحتى لا تصطف الى جانب امريكا فإن نائب وزير خارجيتها ميخائيل بوجدانوف قال ” إن روسيا تجري اتصالات مع إسرائيل والفلسطينيين ودول عربية فيما يتعلق بالتصعيد في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.”
وفي إيران، ذكرت وكالة أنباء الطلبة شبه الرسمية أن مستشار الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي هنأ اليوم السبت المقاتلين الفلسطينيين. ونقلت الصحيفة عن يحيى رحيم صفوي قوله “سنقف إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين حتى تحرير فلسطين والقدس”.
من جهته، هنأ حزب الله اللبناني حركة حماس على “العملية البطولية الواسعة النطاق”.
لكن الجديد في كل هذا ،وبعد إعلان إسرائيل الحرب على حماس ،هو البيان المشترك الذي أصدره زعماء الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا ، اليوم الاثنين، والذي نددوا فيه بالهجمات التي تشنها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على إسرائيل وأعربوا عن “دعمهم الثابت والموحد” لإسرائيل.
وجاء في البيان المشترك “خلال الأيام المقبلة، سنبقى متحدين وسنواصل التنسيق معا كحلفاء وأصدقاء مشتركين لإسرائيل لضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها ولتهيئة الظروف في نهاية المطاف لشرق أوسط ينعم بالسلام والاندماج”.
إن العالم كله يدرك ان بإمكان إسرائيل خنق المقاومة في اقل من أسبوع سواء عبر الحصار البري و البحري و الجوي بمنع مرور اية مساعدات غذائية وقطع الكهرباء و الماء والغاز و الوقود او عبر القصف الجبان للمنشآت والمساكين و البنى التحتية وحتى المستشفيات .
كما تملك اسرائيل القدرة على إعتقال فلسطينيين عزل من الضفة الغربية و تطبيق سياسة العين بالعين .
كل هذا سهل ، لكن مكر اسرائيل يجعلها تميل إلى خوض حرب استنزاف طويلة الامد ،تعيد من خلالها التوازن للإختلالات الداخلية التي تنخر اسرائيل و تهدد الدولة العبرية .
و البيان المشترك لدول محور أمريكا يحدد توجه الحرب ،بأنها ستبدأ بقطاع غزة ،لكنها لن تتوقف حتى تطيح بمحور حزب الله و ايران و سوريا في مرحلة لاحقة .
هذه تبقى مخططات العدو الصهيوني لإنجاح مخططه في إبادة الفلسطينيين ، وعدم القبول بالشرعية الدولية لحل الدولتين .
لكن الواقع هو ان طبول الحرب العالمية التي خفق صوتها في حدود روسيا و اوكرانيا ، فإنها تدق بقوة في المنطقة العربية ،خاصة وان امريكا تعشق الحروب على غير ارضها ، وتعشقها أكثر عندما تكون على أرض إسلامية وعربية .
إن ما جنته حماس لنفسها كفصيل فلسطيني فقد جنته ، لكن ما جنته على نفسها وعلى المنطقة يحتاج التعامل معه بلا حماسة و لا إندفاع ، و حان وقت الحسابات لرسم خريطة المستقبل .
فهل تعتبرون ؟