بقلم: المصطفى العياش
فاعل إعلامي وعضو سابق في الجسم الاتحادي
ذاكرة تُلزمنا بالكتابة
علاقتي بالاتحاد الاشتراكي ليست وليدة اليوم، ولا موسمية. فمنذ شبابي وأنا أتنفس هذا المشروع، عشت زمن عبد الرحيم بوعبيد رحمه الله بكل ما حمله من وقار ووضوح، ورافقت تجربة عبد الرحمن اليوسفي القامة السياسية والوطنية رحمه الله ، كما عايشت مرحلة محمد اليازغي أطال الله في عمره الرجل الوطني الصادق، وتفاعلت بشكل متفاوت مع فترتي عبد الواحد الراضي رحمه الله وإدريس لشكر. ومع الزمن، اخترت أن أضع مسافة نقدية بيني وبين الحزب، لا هجرا، ولكن حفاظا على ما تبقى من صورة تنظيم كنت أراه وطنا داخل الوطن.
هذا المقال ليس دعوة، ولا اصطفافا، بل قراءة هادئة في لحظة استثنائية من تاريخ الاتحاد، لحظة قد تعيد الكلمة إلى أصحاب المشروع، وقد تفتح أفقا جديدا لمن ظلوا أوفياء للمعنى، حتى في زمن التيه.

الاتحاد الاشتراكي: حين يصبح المؤتمر لحظة لتصحيح المسار
الاتحاد الاشتراكي لم يكن يوما مجرد حزب، بل كان ذاكرة وطنية، وصوتا للمستضعفين، ومنارة فكرية في زمن العتمة. واليوم، وهو يتجه نحو محطة مؤتمرية جديدة، لم يعد أمامه ترف التموقعات الشخصية أو التوافقات العابرة. المطلوب من المؤتمر المقبل أن يكون لحظة وضوح فكري، ومجالا لإعادة تعريف المشروع الاتحادي بمقومات جديدة، ونَفَس جماعي.
في هذا السياق، تبرز عودة محمد الكحص كتعبير صريح عن حاجة الحزب لمن يفتح نوافذه على المستقبل دون أن ينسى موقعه في التاريخ. إنها عودة مشحونة بتراكم التجربة، وبحس العارف بخبايا التنظيم، وبأحلام جيل لم يُتح له استكمال مهمته.
جيل لم ينكسر، لكنه صمت طويلاً
منذ مغادرته للمسؤوليات الرسمية، اختار محمد الكحص موقع التأمل العميق، لم ينخرط في ضجيج المرحلة، ولم يدخل مزادات المواقع. لكنه، بطريقته، ظل حاضراً: يفكر، يكتب، يتابع، ويحمل هم التغيير كما عرفه داخل الاتحاد، وكما آمن به.
الفرق اليوم، أن الحزب نفسه بات بحاجة لهذا الصنف من الكفاءات، التي تجمع بين العمق النظري، والخبرة المؤسساتية، والقدرة على إعادة التأسيس. الكحص يمثل هذا النموذج. لا يعود ليرتدي عباءة الزعامة، بل ليُسهم في بناء مرحلة تتجاوز الزعامات نحو مشروع وطني تقدمي يُقنع الجيل الجديد.

الرؤية الملكية وتجديد النخب: من التوجيه إلى التنزيل
في خطاباته الأخيرة، أكد جلالة الملك محمد السادس على ضرورة تجديد النخب، وإعادة الاعتبار للمؤسسات السياسية، من خلال إسناد المسؤولية لمن يستحقها. هذه الدعوة الموجهة للأحزاب لا تحتمل التأجيل، وتتطلب من داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أسماء ووجوها قادرة على التفاعل مع هذه التوجيهات من موقع الكفاءة لا الولاء.
الكحص، بتكوينه الأكاديمي، وتكوينه السياسي، وتجربته الحكومية، يتقدم كفاعل له القدرة على التنزيل، لا الاكتفاء بالتأويل. هو ابن الاتحاد، لكنه أيضاً ابن المشروع الوطني الكبير، الذي ينصت للملكية حين تتحدث عن الحاجة إلى إصلاح الأحزاب، لا من باب الاصطفاف، ولكن من باب الإدراك التاريخي للدور.
نحو أفق 2026: من المصالحة إلى البناء
إذا كان الاتحاد مقبلاً على محطة 2026 وهو محمّل بأسئلة المصير، فإن عودة الكحص قد تفتح أفقًا غير مألوف. المؤتمر المقبل لن يكون لحظة لتصفية الحسابات، بل فرصة لترتيب البيت الداخلي، واسترجاع الموقع الطبيعي للحزب داخل الخارطة السياسية.
محمد الكحص لا يأتي بشروط، ولا بمرجعية العائد المنتصر، بل بحس الواجب، وبإيمان أن الاتحاد أكبر من الأشخاص، وأعمق من الحسابات. عودته ليست مجرد حدث داخلي، بل رسالة: أن الاتحاد لا يزال قادراً على استرجاع ملامحه حين تتضافر إرادة الصادقين.
هل يلتقط المؤتمر الإشارة؟
هذا المقال لا يُنصّب الكحص، ولا يصطف خلفه، لكنه يقرأ عودته في سياقها الأوسع: سياق أزمة المشروع السياسي، وسياق الحاجة إلى من يعيد للأحزاب هيبتها وقيمتها.
هل يلتقط الاتحاديون هذه الإشارة؟
وهل يستعيد الاتحاد الاشتراكي ما ضاع منه، حين قرر البعض أن الحزب يمكن أن يُختزل في أشخاص، ويُدار بعقلية الغنيمة؟
الجواب في المؤتمر… والبقية في ضمير التاريخ.
