مأساة العيد في سور العز: حين تتحول “التريبورتورات” من وسيلة عيش إلى “نعوش متنقلة”

kapress8 يونيو 2025Last Update :
مأساة العيد في سور العز: حين تتحول “التريبورتورات” من وسيلة عيش إلى “نعوش متنقلة”

في ثاني أيام العيد.. دماء على طريق التهميش

المقال من إعداد: المصطفى العياش ــ خالد بدري

تحولت أجواء عيد الأضحى، التي يفترض أن تعمّها الفرحة وصلة الرحم، إلى مأساة دامية بمنطقة “سور العز” بإقليم قلعة السراغنة، بعدما لقي 7 أشخاص مصرعهم وأصيب آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، إثر انقلاب دراجة ثلاثية العجلات (تريبورتور) كانت تُقلّ أربعة عشر راكباً دفعة واحدة، في تجاوز صارخ لكل القوانين والمعايير التي تنظم السير والسلامة الطرقية.

الحادث ليس مجرد رقم يضاف إلى قائمة ضحايا حوادث السير، بل هو جرح غائر في جسد مغرب الهامش، مغرب ما وراء المدن الكبرى، حيث يستمر “التريبورتور” في أداء دور غير مُعدّ له أصلاً، كوسيلة لنقل الأشخاص في غياب وسائل نقل عمومية منتظمة وآمنة.

ما وراء المأساة.. حين تفضح الحوادث أعطاب الدولة الاجتماعية

تؤكد هذه الفاجعة بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة الاجتماعية لا تقف عند حدود صرف الدعم أو تمويل بعض المشاريع الموسمية، بل تبدأ أولاً من تأمين الحق في النقل، والصحة، والسلامة. ففي “سور العز” ومئات القرى مثله، لا زال المواطن يُضطر إلى امتطاء “تريبورتور” بحثاً عن علاج، أو لقضاء مآربه اليومية، في مغامرة قد تنتهي، كما حدث هذه المرة، في مشرحة المستشفى.

تتكرر مثل هذه الكوارث في مناطق متفرقة من البلاد، وتعيد إلى الواجهة سؤالاً مقلقاً: هل أصبحت أرواح سكان البوادي أرخص من أن تُحسب في ميزانيات التخطيط؟ وهل يجب أن ننتظر مأساة بعد أخرى لكي نُعيد ترتيب أولويات التنمية القروية؟

الحمولة الزائدة.. مظهر من مظاهر الفوضى المقنّنة

المشهد الصادم الذي وُثّق في هذا الحادث، والمتمثل في ركوب 14 شخصاً دفعة واحدة على مركبة غير معدّة سوى لنقل البضائع، يعكس تغاضي السلطات لسنوات عن ظاهرة “التريبورتورات”، التي تحولت من حلّ ظرفي إلى “كارثة مستدامة”. ورغم إصدار دوريات وبلاغات تمنع استعمال هذه الوسيلة لنقل الأشخاص، إلا أن غياب البدائل، وضعف المراقبة الطرقية، وعدم تفعيل الجزاءات بشكل منضبط، جعل هذه التعليمات لا تتعدى حدود الحبر على الورق.

من المسؤول؟.. سؤال تتداخل فيه السياسة بالتنمية

الحكومة، لعدم توفيرها منظومة نقل قروي آمنة ومكيفة مع حاجيات المناطق الجبلية والوعرة.

الجماعات الترابية، التي لم تنجح في استثمار ميزانياتها في حلول نقل محلية مبتكرة.

السلطات المحلية، التي تغض الطرف عن الاستعمال غير القانوني للتريبورتورات.

المجتمع المدني والإعلام، اللذين لم يمارسا ضغطاً كافياً لتحويل الظاهرة إلى قضية رأي عام.

اقتراحات عملية لتفادي تكرار المأساة

1 ــ إطلاق برنامج وطني للنقل القروي، على غرار “النقل المدرسي”، بتمويل مشترك بين وزارتي الداخلية والنقل والجماعات الترابية.

2 ــ تحفيز المقاولات الشبابية على خلق شركات نقل محلية تعمل في القرى باستعمال مركبات صغيرة وآمنة.

3 ــ إعادة تأهيل البنية الطرقية في الدواوير المعزولة، لتسهيل ولوج سيارات الإسعاف والنقل.

4 ــ إطلاق حملات تحسيسية وتطبيق القانون بصرامة على من يستعمل التريبورتورات في نقل الركاب.

5 ــ تفعيل دوريات المراقبة الطرقية في الأقاليم والمراكز القروية وتحديث آليات ضبط المخالفات.

6 ــ إحداث صندوق لدعم النقل في العالم القروي على غرار صندوق دعم التعليم أو السكن.

إن حادث “سور العز” لا ينبغي أن يُطوى كما طويت حوادث مشابهة قبله. فكل نقطة دم سقطت في ذاك الطريق الضيق هي صرخة في وجه التهميش، ورسالة قوية إلى صنّاع القرار بأن التنمية لا تتحقق بالخطابات ولا بالصور، بل بالاستجابة الفعلية لحاجيات الناس، حيثما كانوا.

إن الدماء التي سالت في “سور العز” لا ينبغي أن تُنسى، ولا أن تُلَفّ في تقارير باردة تحت عنوان “حادث عرضي”. لقد آن الأوان لأن نكفّ عن التعامل مع المآسي القروية كأحداث هامشية، وأن نعترف بأن غياب العدالة المجالية صار يُزهق الأرواح.

لا نقبل أن ينقل أطفالنا وأمهاتنا وشيوخنا على متن “تريبورتورات” كما تُنقل البضائع، فإننا لسنا أمام حادث سير، بل أمام فشل سياسي وتنموي مدوٍ.

إذا لم تتحرّك الحكومة، وإذا لم تُفتح مساءلات حقيقية حول من المسؤول، وإذا لم تُرصد ميزانيات طوارئ لإنقاذ ما تبقى من كرامة العالم القروي… فسنكون جميعاً شركاء في القتل بالتقسيط.

فليكن هذا الحادث آخر مأساة، لا مجرد خبر عابر في نشرة المساء

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News