من إعداد المصطفى العياش ــ خالد بدري ــ “كابريس“
في تطور غير مسبوق، أكدت مصادر صحفية متطابقة أن السلطات العليا أعفت والي جهة فاس مكناس، السيد معاذ الجامعي، ووالي جهة مراكش آسفي، السيد فريد شوراق، من مهامهما، وذلك بعد ظهورهما العلني في مقاطع مصورة وهما يذبحان أضحيتهما صبيحة العيد. مشهد يبدو عاديا في الظاهر، لكنه صادم في العمق، لأنه مثّل تحديًا صريحًا وغير محسوب العواقب للتوجيه الملكي السامي الذي دعا فيه جلالة الملك المواطنين إلى عدم نحر الأضحية هذه السنة، في ظل الأزمة المرتبطة بالقطيع الوطني وتأثيرات الجفاف الحاد الذي عرفته المملكة.
إن الواقعة – وإن كانت محصورة في الشكل – تكشف جوهرًا بالغ الحساسية في معادلة تدبير الشأن العام، عنوانه الكبير: من لا يفهم الإشارات الملكية لا يستحق أن يكون في موقع القرار!
لقد اتخذ جلالة الملك، نصره الله، قرارًا شجاعًا واستثنائيًا، حين حمل على عاتقه أضحية المغاربة كاملة، في مبادرة رمزية قوية تؤسس لمفهوم جديد من التضامن العمودي، وتعزز ثقة المواطن في أن المسؤولية تبدأ من أعلى الهرم. وهذا التوجه لم يكن مجرد فتوى شرعية أو توجيه إداري، بل إعلان واضح عن حالة تعبئة وطنية اجتماعية وأخلاقية، يفترض أن تلتف حولها كل مؤسسات الدولة وعموم مكونات الشعب.
لكن أن يظهر والي جهة، أي ممثل السلطة المركزية على مستوى التراب الجهوي، وهو يذبح أضحيته كما لو أن الرسالة لم تصله، فذلك خرق مزدوج؛ خرق للمضمون السياسي لقرار جلالة الملك، وخرق للرمزية التي يمثلها منصب الوالي كأول من يجب أن يلتزم وينضبط.
بل الأخطر من ذلك، أن يُنظر إلى هذا الفعل على أنه “عدم اكتراث” أو “استعراض للرفاه”، في وقت كان جلالة الملك يسعى إلى بعث روح القناعة والتآزر داخل المجتمع، والحد من مشاعر الغبن في صفوف الأسر التي عجزت عن اقتناء الأضاحي بفعل الغلاء والظروف الاقتصادية الصعبة.
ما حدث ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل خلل في فهم منطق الدولة، وفي استيعاب أن جلالة الملك، حين يتوجه برسالة ذات طابع اجتماعي دقيق، فهو لا يخاطب الرأي العام فقط، بل يمتحن أيضًا وُلاة العهد، أمناء الرسالة، حملة التنزيل والترجمة على الميدان.
وإذا صحت الأنباء عن الإعفاء، فإنها رسالة صريحة وقوية لكل من يتولى منصبًا ترابيا أو تمثيليًا: الولاء ليس شعارات، بل التزام صارم بروح التوجيهات، واحترام عميق للتعاقد الأخلاقي مع المواطن.
هي لحظة مفصلية تعيد ترتيب العلاقة بين “الدولة في المركز” و”الدولة في الجهات”، وتعيد أيضًا تعريف من هو المسؤول الحقيقي: أهو ذاك الذي يكتفي بتدبير الملفات الإدارية والميزانيات والمجالس؟ أم ذاك الذي يتماهى مع حساسية المرحلة ويستبطن عمق القرارات العليا ويترجمها بسلوك مواطن ملتزم قبل أن يكون رجل سلطة؟
لقد كتب جلالة الملك، من خلال مبادرته بعيد الأضحى، درسًا بليغًا في الرأفة والقيادة، لكن للأسف، لم يقرأه البعض إلا بعيون العادة والطقوس.
وإن كانت هذه الواقعة قد أسقطت رؤوسًا، فإنها تفتح الباب أمام إعادة بناء ثقة جديدة، قائمة على الانضباط والقدرة على الإصغاء العميق للرسائل الملكية… لأن من لا يقرأ ما بين السطور، لا يصلح أن يوقّع على قرارات باسم الدولة.