القناة الثانية بين التحول المؤسسي وحقوق المتقاعدين: نحو إدماج إنساني يحترم الخبرات ويرسخ الانتماء

kapress25 يونيو 2025Last Update :
القناة الثانية بين التحول المؤسسي وحقوق المتقاعدين: نحو إدماج إنساني يحترم الخبرات ويرسخ الانتماء

تمر القناة الثانية بمرحلة دقيقة من تاريخها، عنوانها الأبرز: إعادة الهيكلة، والتحول المرتقب إلى شركة تابعة للقطب العمومي السمعي البصري، تحت إشراف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة. تحول عميق لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية الهندسة التنظيمية أو انتقال الملكية، بل من خلال مصير أطر ومهنيين ساهموا في بناء هوية هذه القناة على مدى عقود، منهم من تقاعدوا وهم لا يزالون في صلب الروح المهنية للمؤسسة.

وانطلاقًا من تجربة نقابية وإعلامية طويلة، أجد نفسي معنيًا اليوم، لا بالترافع العاطفي أو الشخصي، بل بالترافع الذكي المسؤول، دفاعًا عن منطق الاعتراف المؤسساتي بموظفين متقاعدين ما زالت تربطهم بالقناة الثانية علاقة تنظيمية فعلية، سواء من خلال مكتسبات الاتفاقية الجماعية، أو من خلال تواجدهم في ثلاث جمعيات قائمة بقوة القانون: جمعية مهنيي القناة الثانية، جمعية متقاعدي القناة الثانية، وجمعية Femme Action النسائية داخل القناة الثانية.

الجمعيات: حضور مؤسساتي محوري ورابط استراتيجي بين المتقاعدين والمؤسسة

في قلب مؤسسة إعلامية كالقناة الثانية، ليست العلاقة بين الموظفين والمؤسسة مجرد علاقة وظيفية بحتة، بل هي رابط حي ومتجدد يشمل كل من يعبرون في مسيرة القناة، سواء كانوا يعملون حاليا أو تقاعدوا بعد سنوات من العطاء المهني. وتكتسب جمعية مهنيي القناة الثانية، وجمعية متقاعدي القناة الثانية، وجمعية Femme Action النسائية داخل القناة الثانية، أهمية استثنائية باعتبارها مكونات تنظيمية نشطة، تمثل صوت الموظفين النشيطين ومن أنهوا مشوارهم المهني، وتعكس كذلك الحضور النوعي للنساء داخل المؤسسة.

هذه الجمعيات ليست مجرد هياكل تنظيمية، بل هي في الواقع شبكة متداخلة من العلاقات المهنية، الاجتماعية، والإنسانية التي تحافظ على نسيج القناة وتدعم استقرارها في مواجهة التحولات الكبرى. فجمعية المهنيين تسهر على تأطير الأطر النشيطة، وجمعية المتقاعدين تدافع عن استمرارية العلاقة بين المؤسسة ومن غادروها إداريًا دون أن يغادروها وجدانيًا، بينما تواصل جمعية Femme Action دعمها النوعي لحضور النساء داخل القناة، من خلال مبادرات اجتماعية وثقافية وحقوقية أسهمت في ترسيخ المساواة والتمثيلية داخل المؤسسة الإعلامية.

كل واحدة من هذه الجمعيات الثلاث تلعب دورًا مكمّلًا للآخر، ضمن منظور مؤسساتي يحترم التعدد ويرسخ الإنصاف في التمثيل والحوار، وهو ما يجعل منها اليوم فاعلًا رئيسيًا في النقاش الدائر حول مصير المتقاعدين في صلب التحول المرتقب للقناة.

الجمع العام الاستثنائي: خطوة استراتيجية جماعية

من المقترح اليوم أن تبادر الجمعيتان (جمعية مهنيي القناة الثانية وجمعية متقاعدي القناة الثانية) إلى عقد جمع عام استثنائي، خارج مقر القناة الثانية، في قاعة عمومية لائقة (كأحد الفنادق بالدار البيضاء)، يُدعى له كافة المحالين على التقاعد، ويتم فيه تقديم توضيحات قانونية ومؤسساتية من طرف محامين وعون قضائي، توثق لموقف جماعي واضح، يُتوج بتوقيع وثيقة رسمية يصدر بموجبها بيان يُوجَّه إلى إدارة القناة الثانية وإلى الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.

لكن قبل عقد هذا الجمع، من الذكاء أن تبادر الجمعيتان بطلب لقاء رسمي مع الإدارة العامة للقناة الثانية، قصد الاستفسار عن التصور الرسمي المعتمد بشأن وضعية المتقاعدين داخل منظومة الدمج الجديدة، ومصير حقوقهم المستمرة، وخاصة المرتبطة بالاتفاقية الجماعية، والتغطية الصحية مع “أكسا”، والتخييم، وغيرها من المزايا التي ظلوا يستفيدون منها بعد الإحالة على التقاعد.

عقبة قانونية: معيار السن وحدود الوظيفة العمومية

من الإشكالات التي لا يمكن إغفالها في هذا التحول، أن عددًا من الموظفين المحالين على التقاعد تفوق أعمارهم الأربعين عامًا، وهو ما قد يُعقد إمكانيات إعادة إدماجهم بشكل إداري مباشر ضمن الهيكلة الجديدة، إذا ما تم الاحتكام للمعايير المعمول بها في التوظيف العمومي، حيث يصعب قانونيًا تشغيل موظف جديد يتجاوز هذا السن.

لذلك، فإن المطلوب ليس توظيفًا بالمعنى التقليدي، بل إيجاد صيغ تكريمية-تنظيمية ذكية، تضمن الاستمرارية الرمزية، والاعتراف المكتسب، سواء عبر الاحتفاظ بمقر الجمعيات داخل الشركة الجديدة، أو إشراك ممثليهم في لجان الذاكرة المؤسسية أو الأرشفة أو التأطير المهني.

التواصل المؤسساتي مع الوزارة والمجلس الوطني للصحافة

بعد اللقاء مع إدارة دوزيم، وفي إطار التصعيد المؤسساتي الهادئ، يُقترح على الجمعيتين مراسلة الوزارة الوصية على القطاع، من أجل توضيح موقفها من استمرارية الوضع الاعتباري للمتقاعدين داخل مشروع التحول الجديد.

كما يمكن، بعد ذلك، فتح قنوات التواصل مع المجلس الوطني للصحافة بصفته هيئة مستقلة، تضطلع بمهمة التنظيم الذاتي للمهنة، ومنح بطاقة الصحافة،م وهو ما يجعلها طرفًا معنويًا له وزنه في أي حوار مؤسساتي من هذا النوع.

التجارب العالمية: دروس في إدماج إنساني وحضاري

تجارب دولية عديدة في دمج مؤسسات الإعلام العمومي تقدم نماذج يمكن الاستفادة منها. في كاليفورنيا مثلاً، دمجت مؤسستا KCET وKOCE-TV جهودهما ضمن “مجموعة الإعلام العام لجنوب كاليفورنيا”، مع إشراك المتقاعدين في مشاريع توثيق الأرشيف.

وفي أوكرانيا، دمجت قنوات وإذاعات متعددة تحت مظلة “Suspilne” عبر آليات تشاورية رسمية تحترم المكتسبات الاجتماعية.

أما في آسيا، فقد طبقت دول مثل إندونيسيا وبنجلاديش دمج مؤسسات الإعلام العمومي مع تركيز خاص على إدماج الموظفين القدامى واحترام تراكماتهم المهنية.

هذه النماذج الدولية تؤكد أن دمج المؤسسات الإعلامية لا يجب أن يقتصر على الجانب الإداري أو المالي، بل يتطلب دمجًا ثقافيًا واجتماعيًا يعكس احترام الخبرات المتراكمة، وهو درس مهم يستحق التعمق فيه قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية.

الطريق إلى إدماج إنساني ومسؤول يحفظ الحقوق ويعزز الانتماء

في ظل هذا التحول العميق الذي تمر به القناة الثانية، تبرز ضرورة تبني مقاربة إدماج إنسانية ومسؤولة تراعي ليس فقط الجانب الإداري أو المالي، بل تتفهم عمق العلاقة المهنية والوجدانية التي تربط المتقاعدين بهذه المؤسسة الإعلامية العريقة.

المحافظة على حقوق المتقاعدين، سواء من خلال الاتفاقيات الجماعية، أو التغطية الصحية، أو الاستمرارية الرمزية في العمل الجمعوي عبر جمعيات مهنيي القناة الثانية، جمعية متقاعدي القناة الثانية، وجمعية Femme Action النسائية، ليس خيارًا بل ضرورة استراتيجية تعكس احترام الخبرات والتاريخ المشترك.

ومن خلال الحوار المؤسساتي مع إدارة القناة، والوزارة الوصية، والمجلس الوطني للصحافة، يمكن بلورة آليات واضحة تحمي مكتسبات المتقاعدين وتضمن مشاركتهم الفعالة في المستقبل، بما يثري مسيرة التحول المؤسسي.

ختامًا، إن احترام تجارب النجاح العالمية، والإنصات لحاجيات المتقاعدين، والتشاور الجاد عبر الجمعيات المعتمدة، كلها خطوات حاسمة لإنجاح هذا التحول، وتحقيق دمج إنساني حضاري يُبرز روح التضامن ويعزز الانتماء المؤسسي.

بقلم: المصطفى العياش ــ صحفي ونقابي سابق
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News