بقلم: المصطفى العياش ـ ــ سكرتير تحرير جريدة “كابريس”
رغم ما يشهده الفضاء الرقمي من محاولات استهداف وتشويش، يظل المغرب نموذجاً في قدرته على إدارة الأزمات الرقمية بحكمة ومهنية، مع حفاظه على استقرار مؤسساته وصلابة جبهته الداخلية. فالمواجهة هنا ليست مجرد رد فعل، بل هي استراتيجية متكاملة توازن بين حماية الحق في المعلومة وصون الأمن الوطني، في وقت تتزايد فيه الهجمات المجهولة التي تستهدف ثقة المواطنين.
منذ ظهوره على الساحة الرقمية، تحوّل حساب “جبروت” إلى ظاهرة مثيرة للجدل، ليس فقط بسبب مضمون التسريبات التي ينشرها، بل أيضاً بسبب الطريقة الممنهجة التي اختارها في التصعيد. بدأ المشهد بكشف تفاصيل دقيقة عن الأجور داخل الضمان الاجتماعي، تضمنت أسماء ومناصب ومسؤوليات، ثم اتسع النطاق تدريجياً ليشمل قطاعات حساسة وشخصيات عامة، بعضها في قلب صناعة القرار. ومع مرور الوقت، بدا واضحاً أن “جبروت” لا يكتفي بدور المراقب الرقمي، بل يسعى إلى لعب دور المؤثر المباشر في الرأي العام، عبر تسريبات أقرب إلى بيانات سياسية موجهة.
تسريبات “جبروت”: استراتيجية دقيقة أم فوضى رقمية؟
المتابع للتسلسل الزمني لتسريبات “جبروت” يلاحظ نمطاً منظماً في اختيار المواضيع وطريقة نشرها. الانتقال من ملفات إدارية داخل مؤسسات عمومية إلى معلومات حساسة تتعلق بشخصيات بارزة لم يكن عشوائياً، بل يبدو مدروساً بعناية لإحداث صدى إعلامي واسع. كل نشر جديد يفتح أسئلة حول الهدف من وراء الحساب: هل هو مجرد كشف حقائق للرأي العام، أم أنه يسعى لإثارة التوتر وتشكيك المواطنين في استقرار المؤسسات؟
مع ذلك، القدرة المغربية على إدارة هذه الملفات الرقمية تظهر جلياً. فالدولة والمؤسسات الإعلامية تعمل وفق آليات واضحة للتحقق من المعلومات قبل تعميمها، وتقديم الردود المناسبة التي تحمي مؤسساتها دون الانجرار وراء أي استفزاز رقمي. هذا الأسلوب الاستباقي يعكس وعي المغرب بأهمية موازنة حرية تداول المعلومة مع حماية الأمن الوطني والمصلحة العامة، ويجعل من إدارة مثل هذه الظواهر الرقمية تجربة نموذجية في الرصانة المهنية واليقظة المؤسسية.
الصمت المربك لمسؤول حكومي
أخطر ما كشفه “جبروت” في الآونة الأخيرة هو استهداف مباشر لمسؤول حكومي رفيع، عبر نشر وثائق ومعلومات شخصية ترتبط بعمله. المفاجأة أن رد فعل المسؤول اقتصر على حديث مقتضب لجريدة إلكترونية تناول الوثيقة نفسها، دون إدانة صريحة أو إعلان نية مقاضاة الحساب. هذا الصمت، سواء كان بدافع الحذر أو الاستهانة أو لأسباب أخرى، يظل محاطاً بعلامات استفهام كبيرة.
ففي عالم السياسة، غياب الرد الحازم على اتهامات علنية، خاصة إذا كانت موجهة لشخصية رسمية، قد يُقرأ كإقرار ضمني أو كعجز عن المواجهة. وهو ما قد ينعكس سلباً على صورة المسؤول وهيبة المؤسسة التي يمثلها.
البعد القانوني والأمني
القانون الجنائي المغربي، إضافة إلى القوانين المنظمة لحماية المعطيات الشخصية، يجرّم نشر الوثائق والمراسلات الخاصة دون إذن أصحابها، ويعاقب على المساس بالنظام العام الرقمي. غير أن الإشكال يكمن في أن الحسابات المجهولة، خاصة إذا كانت تستعمل خوادم خارجية وتقنيات إخفاء الهوية، تطرح تحدياً أمنياً معقداً، يتطلب تعاونا دولياً وقدرات تقنية متطورة.
وهذا ما يفسر أن المواجهة لا تكون فقط عبر القضاء، بل أيضاً من خلال العمل الاستخباراتي الرقمي المتخصص، الذي يرصد الشبكات والخوادم والنقاط التي يمكن أن تكشف هوية الفاعلين.
مؤشرات على ارتباط خارجي
تشير المعطيات التقنية والتحليل الرقمي الأولي إلى أن بعض الخوادم والمنصات المستخدمة في نشر تسريبات “جبروت” قد تكون مرتبطة بشبكات خارجية، مع تسجيل مؤشرات قوية على اتجاه محتمل نحو الجزائر. هذا لا يعني بالضرورة وجود تورط رسمي، لكن خبراء الأمن الرقمي يؤكدون أن مثل هذه الحسابات كثيراً ما تستفيد من بنى تحتية في دول مجاورة لتضليل عمليات التتبع.
هذا المعطى يفرض على الأجهزة الأمنية تعزيز التنسيق مع شركاء دوليين في مجال الأمن السيبراني، بهدف تتبع مسارات النشر وكشف أي روابط تنظيمية أو تمويلية تقف وراء هذه العمليات
دور الإعلام في إدارة المعركة
في مثل هذه القضايا، يصبح الإعلام طرفاً أساسياً في المواجهة. فالصحافة الجادة مطالبة بعدم الانجرار وراء الإثارة المجانية أو إعادة نشر محتوى مسرب دون التحقق من صحته وسياقه. والتاريخ الإعلامي يثبت أن المعارك الرقمية لا تُربح فقط عبر البلاغات الأمنية، بل أيضاً من خلال رواية مضادة قوية، تضع المواطن أمام صورة كاملة ومتوازنة للوقائع.
“كابريس” ومبدأ حماية المعلومة
جريدة “كابريس”، وهي تتابع عن قرب تفاصيل هذه الظاهرة، تؤكد أن حرية تداول المعلومة تظل حقاً مكفولاً، لكن لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو لزعزعة الاستقرار الوطني. إن حماية ثقة المواطن في مؤسساته، وصون أمنه الرقمي، هي رهان وطني مشترك، يتطلب يقظة من الدولة، ومهنية من الإعلام، ووعياً من المجتمع.