بقلم منير نافيع
لم يعد خافيا أن منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيسبوك، قلبت المشهد الإعلامي رأساً على عقب. اليوم، لم يعد الصحفي المعتمد وحده من يملك سلطة الكلمة والصورة، بل صار أي مواطن يحمل هاتفا ذكيا قادرا على توثيق الحدث، ونشره في لحظة واحدة ليصل إلى آلاف المتابعين. هذه السرعة في النشر منحت “الصفحات الفيسبوكية” قوة جذب كبيرة، في وقت تعاني فيه الجرائد الورقية وحتى الإلكترونية من ضعف التفاعل وتراجع الثقة.
لكن السؤال الجوهري الذي يُطرح هنا: من يضمن مصداقية ما يُنشر؟
فالصحفي المهني يشتغل تحت سقف القانون، ويُحاسب على كل جملة يكتبها أو صورة ينشرها. في المقابل، نجد أن الصفحات الفيسبوكية تُطلق الأخبار دون حسيب أو رقيب، فتخلط بين الحقيقة والإشاعة، وتضخم الأحداث أحيانا لأغراض لا تخلو من تصفية حسابات أو البحث عن الإثارة. النتيجة: رأي عام مرتبك، وثقة متآكلة، وصورة مهزوزة لمؤسسات الدولة.
الأدهى أن هذه الظاهرة تتوسع يوما بعد يوم، في غياب أي إستراتيجية حكومية واضحة. وكأن السلطات تكتفي بدور المتفرج، تاركة الميدان مفتوحا لفوضى إعلامية تهدد أكثر مما تنفع. فهل يُعقل أن تترك مهنة الصحافة، بما لها من رمزية وقيمة ديمقراطية، تواجه وحدها هذا الانفلات. أليس في ذلك تقصير رسمي واضح في حماية المهنة وحماية المجتمع من التضليل.
إننا لا ننكر أن لهذه الصفحات دورا إيجابيا أحيانا، حين تكشف تجاوزات أو تنقل نبض الشارع بشكل مباشر. لكن الخطر يكمن في أن يتحول هذا الدور إلى ذريعة للفوضى. الحرية الإعلامية لا تعني الانفلات، والنقد المشروع لا يبرر نشر البهتان أو المس بسمعة الأشخاص والمؤسسات.
أولا، دعم الإعلام الوطني، وضمان استقلاليته، وتطوير جودة مضامينه حتى يستعيد ثقة الجمهور.
ثانياً، ضبط الممارسات الإعلامية غير المهنية على المنصات الاجتماعية، عبر آليات قانونية واضحة، تحمي حرية التعبير من جهة، وتمنع الفوضى والتضليل من جهة أخرى.
لقد أصبح السؤال اليوم أكثر إلحاحا: هل نحن أمام إعلام بديل فعلا أم أمام فوضى إعلامية مقنعة؟
الجواب لن يأتي من الصفحات الفيسبوكية، بل من قدرة الدولة والفاعلين الإعلاميين على إعادة تنظيم المشهد، بما يضمن أن تظل الصحافة مهنة شريفة، لا لعبة عشوائية في يد من لا يملكون لا تكويناً ولا التزاما مهنيا.