بقلم : محمد مفتاح
أيها المغربي، صحيح أنك قد تحتاج بين الحين والآخر لأن تنزل من قافلتك التي تسير لتؤدب الكلاب التي تنبح، لكن يجب أن يكون هذا النزول دائماً من منطلق قيمتك ومكانتك الرفيعة، وليس من قيمة تلك الأصوات التي تفتقر للروح الرياضية؛ فترفعنا هو سر قوتنا، والانجرار وراء المهاترات يفرغ تفوقنا من محتواه. ومع ذلك، فإن العودة عقب كل مباراة كبرى للغرق في دوامة النقاشات العقيمة حول الأخطاء التحكيمية — وخاصة الجدل الدائر حول أداء الحكم الإنجليزي في مباراة المغرب ضد كندا — يمثل ارتداداً إلى الخلف لا يليق بمستوى النضج والتميز الفكري الذي بلغناه.
حقيقة المستطيل الأخضر وصدمة الواقع
إن الاختباء وراء شماعة التحكيم واختلاق نظريات المؤامرة هو سلوك “صبياني” يختزل أداء منظومة كروية كاملة في صافرة أو قرار تقديري. كرة القدم المعاصرة تعتمد على التفاصيل، والدقائق الـ90 داخل المستطيل الأخضر، والنتائج النهائية التي تسجل في التاريخ، والمنتخبات العظيمة هي التي تحول تعثراتها إلى دروس لبناء أمجاد المستقبل، بدلاً من إهدار طاقتها الجماعية في نقاشات رقمية مشحونة لا تقدم ولا تؤخر في واقع اللعبة شيئاً.
العبقرية المغربية تتجاوز الصافرة
التميز المغربي الحقيقي الذي أبهر العالم يتجلى في التخطيط الاستراتيجي، والمؤسسات الرياضية العملاقة، والوعي الجماهيري الراقي الذي صفق له الجميع في المحافل العالمية. عندما ننساق وراء الجدل التحكيمي البيزنطي، فإننا نسيء — من حيث لا ندري — إلى هذا التطور الفكري والكروي، ونظهر بمظهر من لا يثق في مؤهلاته وقدرته على فرض ذاته بغض النظر عن هوية الحكم أو جنسيته أو أخطائه.
من الملاعب إلى بناء المجتمع
إن هذه الدعوة للترفع ليست محصورة في المستطيل الأخضر وحده، بل هي نداء لتعميم هذا السلوك الحضاري في شتى مجالات حياتنا اليومية وفضائنا الرقمي. يجب علينا كمغاربة أن نتوقف تماماً عن الغوص في تحليل التفاهات والانشغال بالقشور الهامشية التي تستهلك طاقاتنا دون طائل؛ فإذا كان هناك موضوع يستحق مناقشته وبسط الآراء حوله، فيجب أن يكون نقاشاً راقياً يرقى إلى مستوى وقيمة الإنجازات الكبرى التي نثبتها على أرض الواقع، نقاشاً يحلل مكامن القوة ويطور المكتسبات ليعكس عبقريتنا الحقيقية.
نداء السيادة والريادة الشاملة
لقد حان الوقت لنرتقي جميعاً كأمة، أفراداً ومؤسسات وصناع قرار، لمستوى “المغرب الجديد” الذي نصنعه بأيدينا وتجاوز العقد القديمة. الرسالة اليوم موجهة لكل مغربي ومغربية: لنرفع أعيننا عن صغائر الأمور، ولنحافظ على هيبة ووقار قافلتنا الوطنية وهي تشق طريقها بثبات نحو ريادة العالم؛ فقوتنا في ترفعنا، وطاقتنا يجب أن تصب في صناعة التميز والاستمرار في البناء، ليبقى المغرب شامخاً، فكراً وعقلاً وإنجازاً، في مصاف الكبار دائماً وأبداً.























