بعد أولمبيك الدشيرة وأمل تيزنيت.. متى يحين دور شباب هوارة؟

kapress59 دقيقة agoLast Update :
بعد أولمبيك الدشيرة وأمل تيزنيت.. متى يحين دور شباب هوارة؟

بقلم : محمد مفتاح

ما أشبه اليوم بالأمس! تساؤلٌ مرير يتجدد بمرارة أكبر وأنا أرى واقع “شباب هوارة” اليوم. في سنة 2007، ومن على صفحات الجريدة الوطنية “ملفات” التي كان يشرف عليها أستاذي رشيد الحاحي – الله يذكره بالخير – أجريتُ حواراً مع السيد المهدي الكميري، الكاتب العام للنادي آنذاك، وحاولنا معاً وضع الأصبع على مصدر الجرح والقلق الذي ينخر جسد الفريق الهواري. اليوم، تمضي زهاء 20 سنة، والحال هو الحال تماماً، وكأن الزمن توقف بالكرة الهوارية في محطة الانتظار. ففي الوقت الذي تبصم فيه أندية الجوار كـ أولمبيك الدشيرة وأمل تيزنيت على مسارات واعدة وتصنع لنفسها مكاناً تحت أضواء التألق، يبقى السؤال الحارق والمعلق في أذهان الجماهير: متى يحين دور شباب هوارة؟ وما الذي يمنع هذا النادي العريق من الانعتاق من قيود الماضي وتكرار الخيبات نفسها؟
حين ننبش في دفاتر التاريخ، نجد أن شباب هوارة ليس مجرد نادٍ عابر، بل هو كيان كروي يمتد على مدار سنوات وعقود طويلة من العطاء. فقد تأسس الفريق منذ موسم 1963/1964، وهو تاريخ يفرش للنادي بساطاً من العراقة ويجعله واحداً من الأندية المرجعية في المنطقة. وطوال هذه العقود الستة، استطاع الفريق بالفعل أن يثبت أقدامه في أرضية الكرة المغربية، وأن يحفر اسمه كرقام صعب ورق مألوف في المنظومة الكروية الوطنية، وتعاقبت على قميصه أجيال من المواهب الكروية التي كان بإمكانها بصم تاريخ ذهبي.
لكن، والمفارقة الصادمة هنا، أنه على مر كل هذه العقود، لم يتمكن النادي ولحدود الساعة من وضع اسمه بين الكبار في الدوري الوطني الاحترافي الأول. لقد ظل هذا الحضور التاريخي يدور في حلقة مفرغة، حيث تحول النادي مع توالي السنين إلى مجرد “منشط” للبطولة، لا أقل ولا أكثر؛ يشارك لكي يضمن البقاء، ويثبت وجوده لكي لا يختفي، دون أن تحمل هذه المشاركة أي طموح حقيقي للتتويج أو الصعود. أما على مستوى النتائج، فقد ظلت السمة البارزة هي التذبذب والاضطراب؛ مواسم تنعش الآمال وتوحي بالانعتاق، تعقبها مباشرة مواسم من الانتكاسات والصراع المرير في أسفل الترتيب. هذا التأرجح المزمن أكد أن الفريق يفتقد إلى رؤية إستراتيجية واضحة تحوله من خانة المشاركة السلبية وتنشيط الدوريات، إلى خانة المنافسة الشرسة على الألقاب وبلوغ قسم الصفوة.
وإزاء هذا الوضع، لا يمكن طبعاً أن نعزو هذا التذبذب إلى غياب المواهب الكروية بالمنطقة، فهذه شماعة واهية يسهل تعليق الفشل عليها، وهي حجة مردودة على أصحابها ولا تصمد أمام عين الحقيقة. إن الواقع المؤكد الذي لا غبار عليه هو أن منطقة هوارة تزخر بمواهب شبابية فذة وطاقات واعدة يمكنها أن تصنع العجب، لو حظيت بالحد الأدنى من التوجيه والدعم والاحتضان. ولكل المشككين الذين يبررون تراجع النادي بقلة “المادة الخام”، نطلب منهم فقط أن يقوموا بجولة بسيطة في الدوريات الرمضانية التي تشهدها ملاعب الأحياء والمداشر بالمنطقة. هناك، وسط الغبار وشغف الجماهير، ستصدمهم حقيقة قاطعة: هوارة تفيض بعباقرة صغار وفنيين بالفطرة يداعبون الكرة بمهارة تسلب العقول. هؤلاء الشباب يؤكدون في كل مناسبة أن العيب لم يكن يوماً في غياب الموهبة الهوارية، وإنما في “الغربال” التسييري وآليات التنقيب والاحتضان التي أصابها العقم، مما حرم الفريق الأم من ثروته البشرية الحقيقية وجعل تلك الطاقات تتبدد أو تصنع ربيع أندية أخرى.
وبالمثل، لا يمكن أن نعزو هذا الواقع المر إلى الهياكل المسيرة التي تعاقبت على النادي؛ فلو كان الإخفاق مرتبطاً بأسماء معينة أو بضعف كفاءة مسيرين بأعينهم، لكان هذا التعثر مرحلياً وعابراً يدوم لثلاث أو خمس سنوات ثم يزول مع تغير الوجوه وتبدل المكاتب. لكن، أن يمتد هذا الوضع العقيم لعقود طويلة من الزمن، فهذا يعني أن الأمر أعمق بكثير ويحتاج منا إلى تحكيم منطقي وقراءة عقلانية. فنحن عندما نستحضر الأطر والكفاءات التي تداولت على تسيير نادي شباب هوارة طوال هذه السنين، لا يمكننا إلا أن نشهد على مدى غيرتها الصادقة وحبها اللامشروط للفريق؛ رجالٌ وأطر وهبوا من وقتهم وجيوبهم وصحتهم الكثير ليبقى هذا الكيان صامداً. ومن الإجحاف والظلم اليوم أن نختزل أزمة ممتدة لعشرين أو ثلاثين سنة في كفاءة هؤلاء المسيرين أو إخلاصهم. هذا الامتداد الزمني الطويل يثبت بالملموس أن الجرح لا يكمن في الأشخاص، بل في وجود خلل هيكلي وإستراتيجي منظم، وفي غياب منظومة دعم حقيقية وبيئة اقتصادية ومؤسساتية تواكب النادي، مما يجعل حتى أكثر المسيرين غيرة وكفاءة يصطدمون بجدار واقع يفوق طاقاتهم الفردية.
وهنا تحديداً، يفرض المنطق نفسه لنلتفت صوب الجيران، ونضع مقارنة موضوعية تخلع قناع الغموض عن أزمتنا؛ فما الذي تملكه أندية مثل أولمبيك الدشيرة وأمل تيزنيت ويفتقده شباب هوارة؟ الجواب لا يكمن في جودة اللاعبين ولا في غيرة المسيرين، بل في وجود رؤية مؤسساتية تلتف حولها كل مكونات المدينة. ففي الدشيرة وتيزنيت، تحولت الأندية الكروية إلى مشاريع تنموية تحظى بالدعم الكامل والمستدام من المجالس المنتخبة، والفعاليات الاقتصادية، والسلطات المحلية. هناك، نجحوا في توفير بيئة احترافية مستقرة، وبنيات تحتية تليق بطموح الصعود، وضخوا سيولة مالية منتظمة جعلت من أنديتهم مؤسسات قادرة على التخطيط للمستقبل بثبات وجرأة.
أما في هوارة، ورغم القيمة الاقتصادية الكبرى للمنطقة كقطب فلاحي واستثماري رائد، إلا أن النادي ظل يصارع وحيداً في جزيرة معزولة، محروماً من التفاف حقيقي للمجالس المتعاقبة والشركات الكبرى بالمنطقة. ولعل الطامة الكبرى التي أجهزت على طموح الفريق، وكرست الفارق بيننا وبين أندية الجوار، هي أن نادي شباب هوارة ظل لسنوات طوال يخضع للتصفيات الحزبية والسياسية الضيقة. فبدل أن يكون النادي شأناً محلياً جامعاً وقاسماً مشتركاً تتكاثف حوله جهود كل الغيورين، تحول – مع الأسف – إلى ورقة في يد الصراعات الانتخابية والسياسوية. لقد جرى التعامل مع الفريق في محطات كثيرة كـ “غنائم” أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية بين التيارات المتنافسة في المدينة؛ فإذا صعد تيار قُطع الدعم عن الآخر، وإذا تغيرت الخارطة الجماعية دُفع بالنادي إلى الهامش عقاباً لخلفيات مسيريه. هذا التوظيف السياسي المقيت خنق النادي، وجعل قراره الرياضي رهيناً بـ “البلوكاج” والصراعات الضيقة، في الوقت الذي كانت فيه أندية الدشيرة وتيزنيت تحظى بإجماع سياسي ومؤسساتي يضع مصلحة الرياضة فوق كل اعتبار حزبي.
وفي الختام، وجب التأكيد على أن حديثنا اليوم عن واقع شباب هوارة، ودقنا لناقوس الخطر حول مساره، ليس تقليلاً أو انتقاصاً بأي شكل من الأشكال من قيمة بقية أندية المدينة الواعدة، والتي نكن لها كل الاحترام والتقدير؛ وإنما هو حديثٌ تفرضه أحكام التاريخ، ومنطق الأقدمية، والرمزية المرجعية التي يمثلها النادي الهواري كقاطرة أولى للرياضة في المنطقة.
إن الخروج من عنق الزجاجة اليوم، والانعتاق من حالة الركود الدائم التي تخنق الكرة الهوارية، لم يعد يتطلب مجرد رتق للجروح أو حلول ترقيعية مؤقتة. لقد حان الوقت لتدرك أنديتنا المحلية – وعلى رأسها شباب هوارة – ضرورة القطيعة مع الأساليب التقليدية القديمة في التدبير، والتوجه بجرأة نحو الاستعانة بخبراء ومحللين إستراتيجيين في الإدارة الرياضية والتسويق. نحن بحاجة إلى عقول علمية تساهم في ابتكار حلول مؤسساتية حقيقية، وتصيغ مخططات إستراتيجية قادرة على تحويل الأندية إلى مقاولات رياضية مستدامة، بعيدة عن العشوائية والتبعية السياسية. لن يتغير حالنا إلا إذا آمنا بأن الكرة المعاصرة علم وتخطيط ومؤسسات، وحينها فقط… سيحن دور شباب هوارة ليعود إلى مكانه الطبيعي بين الكبار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News