حين يغادر أهل المسرح قبل أن يرفع الستار

kapressساعتين agoLast Update :
حين يغادر أهل المسرح قبل أن يرفع الستار

بقلم الصحفية: بشرى مبكير

ليست أزمة المسرح دائما في الجمهور. أحيانا تبدأ الأزمة من أهل المسرح أنفسهم، من أولئك الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الركح، ويتحدثون بحرقة عن تراجع الإقبال، ثم لا يجدون في لحظة الاختبار البسيطة وقتا لمشاهدة عرض زميل لهم أو لمساندة تجربة مسرحية جادة.

ما حدث خلال فعاليات المهرجان الوطني للمسرح بالحي المحمدي في دورته السادسة ، يطرح أكثر من سؤال. فقد حضر عدد من الفنانين لحظات الافتتاح والتكريم، وشاركوا في البروتوكول، والكلمات الرسمية، وتبادل المجاملات، ثم غادر بعضهم قبل العرض المسرحي، دون أن يتابعوا مسرحية «لافاش»للفنان عبد الكبير الركاكنة، ممثلا ومخرجا.

والأمر هنا لا يتعلق بعرض عابر، ولا باسم عابر. فـ عبد الكبير الركاكنة ليس مجرد ممثل ومخرج مر من الخشبة مرور الكرام، بل هو اسم راكم تجربة فنية ومسرحية معتبرة، وله أيضا مكانته الاعتبارية داخل الوسط الفني. فقد انتخب رئيسا للتعاضدية الوطنية للفنانين خلال جمعها العام المنعقد سنة 2024 لولاية ثانية ، كما ارتبط اسمه مهنيا ونقابيا بالاتحاد المغربي لمهن الدراما، وحضر في عدد من المناسبات بصفته أحد الوجوه المدافعة عن أوضاع الفنانين ومهن الدراما.

لذلك، فإن غياب بعض أهل الدار عن عرض «لافاش» لا يمكن قراءته كغياب عادي. فالمسرحية لم تحرم فقط من اهتمام بعض الجمهور العادي، بل من اهتمام بعض من يفترض أنهم الأقرب إلى الخشبة، والأكثر وعيا بقيمة الحضور والمساندة. وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن أن نطالب الجمهور بالعودة إلى المسرح، إذا كان بعض المشتغلين في المجال لا يحرصون هم أنفسهم على متابعة عروض زملائهم؟

مسرحية «لافاش» ليست عملا هامشيا في مسار الركاكنة، بل تجربة فنية لها خصوصيتها. فقد قُدمت باعتبارها عملا من تأليف عبده جلال، ودراماتورجيا وإخراج عبد الكبير الركاكنة ، وتشخيص هند ضافر، وبوشعيب العمراني، وعبده جلال، وعبد الكبير الركاكنة، ضمن عمل فني وتقني متكامل. وتدور أحداثها، وفق ما نشرته عدة منابر ثقافية، في إطار عبثي داخل قرية صغيرة بعد اختفاء بقرة مستوردة، بما يفتح المجال لقراءة ساخرة وناقدة لاختلالات المجتمع والسلطة والعلاقات الإنسانية.

ومن تابع العمل أو قرأ ما كتب عنه يدرك أن الأمر يتعلق بتجربة مسرحية تراهن على الاشتغال الفني والتقني، لا على الفرجة السطحية العابرة. فقد وصفت المسرحية في متابعات نقدية بأنها تجربة تقوم على الجرأة والتجريب، وتستند إلى توازن بين قوة النص وجمالية الأداء والاشتغال التقني والبصري. ولهذا فإن الذين غادروا قبل العرض لم يغادروا قاعة فقط، بل ضيعوا فرصة مشاهدة عمل نوعي، وفرصة لممارسة دعم فعلي للمسرح، بدل الاكتفاء بخطاب عام عن أزمته.

اللافت أن موقف كاتب هذه السطور لا ينطلق من انطباع عابر أو من مجاملة شخصية، بل من تتبع سابق لهذا العمل المسرحي، ومن اهتمام بما راكمته مسرحية «لافاش» من حضور وتجربة ونقاش. فمن يكتب عن المسرحية قبل عرضها أو بعدها، ومن يواكب مسارها الفني، لا يتحدث من خارج الخشبة، بل من موقع المتابع الذي يعرف أن العمل المسرحي لا يكتمل فقط بالممثلين والتقنيين، بل يحتاج أيضا إلى جمهور واع، وإلى زملاء يحترمون تعب بعضهم البعض.

وحتى نكون منصفين، فقد بقي بعض الفنانين لمتابعة العرض، لكنهم كانوا قلة. وهذه القلة تستحق التنويه، لأنها فهمت أن التضامن الفني لا يقاس بالكلمات ولا بالصور التذكارية، بل بالحضور الفعلي إلى القاعة، وبمنح العمل المسرحي ما يستحقه من وقت وإنصات واحترام.

المشكلة إذن ليست في مغادرة أشخاص بعينهم، بل في ما تكشفه هذه المغادرة من خلل أعمق. هناك من يتعامل مع المهرجانات باعتبارها فضاءات للظهور، لا فضاءات للمشاهدة. يحضر الافتتاح، يلتقط الصور، يتبادل التحايا، ثم ينصرف عندما يبدأ المسرح الحقيقي. وكأن الركح أقل أهمية من منصة التكريم، وكأن العرض أقل قيمة من لحظة البروتوكول.

وهذا بالضبط ما يضر المسرح. فالمسرح لا يعيش بالخطابات وحدها، ولا بالتباكي على غياب الجمهور، ولا بترديد عبارات “المسرح أبو الفنون”. المسرح يعيش حين يحضر الناس عروضه، وحين يساند الفنانون بعضهم بعضا، وحين يشعر الممثل فوق الخشبة أن في القاعة من جاء من أجل العمل لا من أجل المناسبة.

إن من المؤلم أن نرى مسرحية مثل «لافاش»، بما تحمله من اشتغال فني وتقني ورؤية إخراجية، لا تحظى من بعض أهل الدار بما تستحقه من انتباه. والمؤلم أكثر أن يكون صاحب العمل فنانا له صفته الاعتبارية ومساره المهني، ورغم ذلك لا يجد من بعض زملائه إلا حضورا ناقصا ينتهي عند حدود الافتتاح.

قد يختلف الناس حول العروض، وقد تختلف القراءات النقدية، وقد يعجب العمل البعض ولا يعجب البعض الآخر، لكن الحد الأدنى من احترام المسرح هو أن نشاهده أولا. أما أن نغادر قبل أن يبدأ العرض، ثم نستمر في الحديث عن أزمة المسرح، فذلك تناقض لا يحتاج إلى كثير تحليل.

إن مسرحية «لافاش», بما تطرحه من أسئلة فنية واجتماعية، كانت تستحق أن تشاهد. وعبد الكبير الركاكنة، بما يمثله فنيا واعتباريا، كان يستحق أن يحضر زملاؤه لمساندته لا مجاملته فقط. والأهم من ذلك أن المسرح المغربي نفسه يستحق من أهله وفاء أكبر، لأن من لا يحمي الركح بالحضور لا يحق له أن يلوم الجمهور على الغياب.

في النهاية، السؤال ليس موجها إلى الجمهور وحده، بل إلى أهل المسرح أولا: كيف ننتظر من الناس أن يعشقوا الركح إذا كان بعض أبنائه لا يمنحونه ساعة من وقتهم؟ وكيف نطالب الجمهور بالوفاء للمسرح، إذا كان الوفاء يغيب أحيانا من داخل البيت المسرحي نفسه؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News