بقلم : محمد مفتاح
حين يمر قطار الزمن الكروي في إفريقيا بسرعة فائقة، يلتفت الجميع لرؤية منتخبات طورت من عتادها وتكتيكها في صمت، بينما يفضل “جبابرة الوهم” البقاء في محطة الانتظار، يبيعون للجمهور تذاكر لرحلات وهمية نحو أمجاد أكل عليها الدهر وشرب. لقد تحول المشهد من صراع “تكتيكي” على المستطيل الأخضر، إلى معارك “رقمية” تقاد بالهاشتاغات والضجيج الممنهج.
المومياوات الكروية: العيش في جلباب التاريخ وبكائيات التحكيم
تعاني بعض القوى التقليدية في القارة من متلازمة “الأنا المتضخمة”، حيث يعتقد مسؤولوها وجماهيرها أن مجرد ارتداء قميص يحمل نجمة أو بطولات غابرة يكفي لإرعاب المنافسين. الغريب أن هذه الديناصورات لا تزال تمارس طقوس “التمثيل السينمائي” عند أول احتكاك، وتجيد البكاء على أطلال “الفساد الكروي والكواليس” التي طالما اقتاتت عليها لعقود. وحين تصطدم هذه العقلية العقيمة بمنتخبات حديثة ومنظمة مثل الرأس الأخضر، ينفجر بالون الوهم؛ فلا يشاهد المتابعون سوى السقوط المتكرر والمطالبة بضربات جزاء خيالية، تليها نوبات عويل منظمة تلوم الرطوبة، وسوء أرضية العشب، وصافرة الحكم، وأسراب الناموس المؤامراتية، ومتاعب التنقل التي اكتشفوها فجأة بعد عقود من الزمن، بل ويصل الأمر إلى اتهام زاوية هبوب الرياح بالتحيز ضد تاريخهم العريق.
الملاحم الوهمية: عندما يصبح الفوز العادي إنجازاً تاريخياً
في غياب الإنجازات الحقيقية، تبرع هذه المنظومات الكلاسيكية في إعادة تدوير “اللاشيء” ليصبح إعجازاً. الفوز الهزيل بركلة جزاء مشكوك فيها على منتخب يحتل مؤخرة تصنيف الفيفا، يتحول فجأة في وسائل إعلامهم إلى “ملحمة كروية عابرة للقارات”. تُفتح البلاتوهات، وتُذرف دموع الفرح المصطنعة، ويبدأ الترويج لإنجازات استباقية لم تحدث ولن تحدث. إنها صناعة الوهم في أبهى صورها، حيث يُستبدل العمل الأكاديمي، وتطوير الملاعب، واستقطاب المواهب الحقيقية، بحفلات صاخبة للاحتفال بانتصارات عادية جداً، بهدف تخدير الجماهير وتأجيل لحظة الاصطدام بالحقيقة المرة.
الكتائب الإلكترونية: صناعة الضجيج الرقمي لتعويض العجز الميداني
وعندما تعجز الأقدام عن تقديم جملة تكتيكية مفيدة فوق أرضية الملعب، تتحول المهمة مباشرة إلى “جيوش الذباب الإلكتروني” والبلاتوهات الرقمية الممنهجة. هنا تدار المباريات الحقيقية لهؤلاء؛ مئات الحسابات الموجهة تبث الهاشتاغات الحماسية، وتصنع من لاعبين محليين هواة “أساطير لا تُقهر”، وتشن حملات تنمر ممنهجة ضد كل من يشير إلى عيوب الفريق. هذا الضجيج الرقمي الصاخب ليس سوى غطاء دخاني كثيف، يحاول حجب حقيقة مرعبة: قطار الكرة الإفريقية الحديثة غادر المحطة بوقود “الكرينتا” والعمل الجاد، تاركاً خلفه منصات رقمية تصرخ في الفراغ، وجماهير مغلوبة على أمرها تصفق لسراب.
القروش الزرقاء: صمت الحكماء الذي زلزل عرش أبطال العالم
بينما كان عمالقة الوهم مشغولين بإنتاج مسلسلات البكاء الرقمي، كان مسؤولو الرأس الأخضر يخططون في صمت الأذكياء وعزيمة العقلاء. هذا الأرخبيل الصغير الذي لا يتعدى سكانه نصف مليون نسمة، لم يكتفِ بالتأهل التاريخي لأول مونديال في تاريخه، بل ألقى بـ “برستيج” كبار اللعبة في سلة المهملات. في أول مشاركة مونديالية، عبروا بجرأة وثبات نحو الأدوار الإقصائية، قبل أن يكتبوا فصلاً سينمائياً حقيقياً—لا تمثيلاً زائفاً—في ملحمتهم الخالدة ضد أرجنتين ميسي المدججة بالنجوم. هناك، فوق العشب المونديالي، حبست القروش الزرقاء أنفاس العالم وهي تجر أبطال التاريخ إلى الأشواط الإضافية في مباراة للتاريخ؛ لم يشتكوا من رطوبة ولم يتباكوا على أسراب الناموس، بل قدموا درساً قاسياً لكل الديناصورات الإفريقية بأن “الكرينتا” الحقيقية تُصنع بالعمل الأكاديمي الصامت والتخطيط الذكي، لا بالهاشتاغات الجوفاء وضجيج الذباب الإلكتروني.
طوبى لصانعي الوهم.. والقطار لا ينتظر الديناصورات
في نهاية المطاف، ستبقى هذه المنظومات الكلاسيكية غارقة في مستنقع تبريراتها المضحكة، وسيبقى ذبابها الإلكتروني يطحن الهواء في منصات التواصل الاجتماعي، محتفلاً بـ “بطولات رقمية” وهمية لا وجود لها إلا في مخيلاتهم المتعبة. وبينما يستمرون في فحص زوايا هبوب الرياح، ومطاردة أسراب الناموس، وانتظار معجزات تحكيمية تعيد لهم أمجاد الماضي الفاسد، ستواصل قروش الرأس الأخضر وخيول موريتانيا وغزلان أنغولا، وغيرها من التجارب الصاعدة، الإبحار نحو المستقبل خلف ريادة أسود الأطلس بوقود الجهد والعمل الصامت. العزاء الوحيد لهؤلاء “الجبابرة” هو أن منصات “إكس” ويوتيوب لا تحتاج إلى لياقة بدنية ولا لتكتيك كروي؛ فطوبى لهم بضجيجهم الرقمي، وليدعوا كرة القدم الحقيقية لمن يفهم لغة الميدان، لأن قطار إفريقيا الحديثة انطلق بسرعة الصاروخ.. ولن ينتظر الديناصورات لكي تنهي نوبة عويلها المعتادة.
منتخب الرأس الأخضر والكرينتا التي نريدها في إفريقيا: كيف واجهت الحقيقة جيوش الذباب الإلكتروني؟























