بقلم : محمد مفتاح
خلف الهدوء الظاهري للمساحات الشاسعة التي تمتد على طول الخارطة المغربية، يختبئ ملف عقاري شائك عمره عقود. 15 مليون هكتار من “الأراضي السلالية” (أراضي الجموع) تحولت مؤخراً إلى ساحة لمعركة صامتة بين ترسانة قانونية تهدف إلى “تحديث الريف المغربي” وواقع ميداني يصطدم ببقايا أعراف قبلية، وبيروقراطية إدارية، ومخاوف من “تغول” الاستثمار العقاري على حساب صغار الفلاحين.
ومع دخول المراسيم الحكومية الجديدة لعام 2026 حيز التنفيذ، والتي أقرت مجانية التحفيظ العقاري للأراضي البورية، نفتح هذا الملف الاستقصائي لنبحث في عمق السؤال الحارق: هل تنجح الدولة في حماية ذوي الحقوق، أم أن “أخطبوط المحسوبية والزبونية” قد حوّل ثورة التمليك إلى آلية جديدة لإنتاج الإقصاء؟
صدمة اللوائح.. “قلم النائب” يمحو حقوق الأجداد
تبدأ رحلتنا من إحدى الجماعات السلالية بوسط المملكة. يحمل “أحمد. ب” (54 عاماً) بيده وثيقة صفراء تضم لائحة “ذوي الحقوق”. يقول وعيناه تملأهما الحسرة: “أجدادي حرثوا هذه الأرض منذ قرن. اليوم أجد نفسي مقصياً من اللائحة لأن نائباً سلالياً قرر إدراج معارفه وأقارب عائلته النافذة.”
قضية أحمد ليست حالة معزولة. فبالرغم من القوانين الصارمة التي جاء بها القانون رقم 62.17، لا يزال “نائب الجماعة السلالية” يشكل الحلقة الأقوى والأكثر إثارة للجدل. على منصات التواصل الاجتماعي، تحولت المجموعات الافتراضية لذوي الحقوق إلى “محاكم رقمية” تعرض آلاف الشكاوى ضد التلاعب باللوائح، والزبونية، وبيع “منفعة التصرف” عبر عقود عرفية غير قانونية.
ويعلق خبير قانوني في النزاعات العقارية قائلًا: “الإشكال ليس في القانون، بل في المحسوبية التي تصاحب تطبيقه. فرغم تشديد العقوبات والملاحقات القضائية التي تباشرها النيابة العامة ضد النواب المتورطين، فإن الرقمنة الشاملة للوائح لا تزال بطيئة، مما يترك هامشاً للهندسة العائلية والسياسية للوائح داخل القبيلة.”
السلاليات.. انتصار على الورق ومقاومة “ذكورية” في الميدان
في الجانب الآخر من المشهد، تقف “فاطمة” (ناشطة حقوقية وسلالية من منطقة الغرب). بالنسبة لها، يمثل القانون الحالي قفزة تاريخية بعد أن قطع مع أعراف ذكورية بائدة كانت تحرم المرأة من الإرث أو التعويض.
“قانونياً، نحن متساوون الآن” تقول فاطمة، مستدركة: “لكن الزبونية تأخذ طابعاً ذكورياً في الميدان؛ فعندما يتقرر توزيع التعويضات المالية، تُمارس ضغوط عائلية رهيبة على النساء للتنازل عن حصصهن، أو يتم تماطل المجالس النيابية المحلية، مدفوعة بقرابات عائلية، في تحيين اللوائح لتمكين النساء من حقوقهن الفعلية.”
نموذج أولاد تايمة: هندسة اللوائح على مقاس “المحظوظين”
لا يمكن فهم كيف تبتلع المحسوبية وعود الإصلاح دون التوقف عند نموذج مدينة أولاد تايمة بقلب سهل سوس. هنا، في عاصمة الحوامض والخضروات، لم تعد الأرض مجرد مساحة فلاحية، بل تحولت إلى كعكة عقارية يسيل لها لعاب المضاربين ونوافذ النفوذ المحلي.
• تصفية الحسابات عبر شطب الأسماء: تشهد دهاليز عمالة إقليم تارودانت ومحاكم المنطقة طعوناً بالجملة ضد نواب الجموع بأولاد تايمة. الشكوى السائدة هنا هي إقصاء الشباب والنساء، وتحديداً أولئك الذين اضطرتهم ظروف الجفاف القاسي بالمنطقة إلى الهجرة المؤقتة للعمل في مدن أخرى. يتم شطب أسمائهم بدعوى “عدم الإقامة المستمرة في الدوار”، بينما يتم إدراج أسماء مغتربين آخرين أو نافذين لا علاقة لهم بالفلاحة، فقط لأنهم يدورون في فلك الولاءات العائلية أو الانتخابية لنواب الجماعة.
• فخ المساحة الدنيا.. ريع جديد؟ تفجر مستجدات التمليك لعام 2026 نقاشاً حاداً في أولاد تايمة حول شرط “المساحة الدنيا” و”الاستغلال المستمر”. في ظل أزمة الجفاف الحاد ونضوب الفرشة المائية، يعجز صغار السلاليين عن توفير تكاليف الري، مما يمنعهم تقنياً من تمليك بقعهم. وهنا تتدخل الزبونية؛ حيث يتم تسهيل مأمورية كبار المستثمرين والمقربين من مراكز القرار لـ “كراء” هذه القطع الشاسعة بعقود طويلة الأمد، بينما يُدفع أصحاب الأرض الأصليون إلى الهامش كأجراء مياومين.
غول الاستثمار.. هل يلتهم أصحاب الأرض؟
المحور الأكثر سخونة في النقاش الاستقصائي هو بند “جذب الاستثمار”؛ حيث تفتح القوانين الجديدة الباب للقطاع الخاص لكراء أو شراء أراضٍ سلالية لإقامة مشاريع كبرى، شريطة الحفاظ على الثروة الفلاحية.
تدافع الجهات الرسمية عن هذا التوجه باعتباره محركاً للتنمية وتؤكد أن العائدات تُضخ في “صندوق الوصاية” لتمويل البنية التحتية. في المقابل، يرى نشطاء قرويون أن غياب الشفافية في اختيار المستثمرين محلياً، وبطء مساطر صرف التعويضات المالية، يعززان الشكوك بأن كعكة الأراضي السلالية يتم توزيعها خلف الأبواب المغلقة بناءً على علاقات المصلحة، وليس على أساس الكفاءة التنموية التي تخدم الساكنة المحلية مباشرة.
خاتمة: الإصلاح رهين بقطع دابر “السمسرة العقارية”
يقف المغرب اليوم في منتصف الطريق بملف الأراضي السلالية. الخطوات التشريعية ومستجدات 2026 جريئة وغير مسبوقة، لكن هذا التحقيق يظهر أن الإنصاف الحقيقي لذوي الحقوق لن يكتمل بجرعة قلم في الجريدة الرسمية طالما أن “الفخاخ البشرية” من محسوبية وزبونية تترصد بالتطبيق.
إن نجاح “ثورة التمليك” في مناطق كأولاد تايمة رهين بالانتقال الفوري من الوصاية القبلية التقليدية المزاجية إلى “الحكامة الرقمية الصارمة والشفافة”، عبر سحب سلطة إعداد اللوائح من الولاءات الشخصية وتفويضها لمنظومات رقمية تقطع مع السمسرة العقارية. وبدون ذلك، ستبقى هذه الثروة الوطنية بؤرة نزاع مستمر، ويبقى ذوو الحقوق معلقين بين حلم الملكية المحفظة وواقع الإقصاء الميداني.






















