عندما يصبح “الزبون عبداً”: رحلة في “جمهورية الحافلات والطاكسيات” بسوس!

kapress3 دقائق agoLast Update :
عندما يصبح “الزبون عبداً”: رحلة في “جمهورية الحافلات والطاكسيات” بسوس!

بقلم : محمد مفتاح
في أدبيات التجارة والاقتصاد عبر العالم، هناك قاعدة ذهبية تقول: “الزبون ملك”. لكن يبدو أن هذه القاعدة أصيبت بـ “مغص طرقي” حاد بمجرد دخولها خطوط النقل بين تارودانت وأولاد تايمة وأكادير، لتتحول بقدرة قادر إلى: “الزبون عبد.. وإذا لم يعجبه الحال فليشترِ طائرة”.
حافلات الوسط الحضري: علب سردين برتبة “قصر إقطاعي”
لنبدأ من “مكوك الفضاء” الأرضي؛ حافلات النقل الحضري بتارودانت. السائق هناك لا يعترف بقوانين الفيزياء أو السعة الاستيعابية؛ بالنسبة له، الحافلة ثقب أسود يمكنه امتصاص نصف سكان الإقليم دفعة واحدة، وشعارهم الخالد: “زيد كحّز ما زال كاين ليسباس” حتى لو التصقت الوجوه بالزجاج. وإذا تجرأت -عزيزي الراكب المومياء المعلق بين السماء والأرض- واحتججت على انعدام الأوكسجين، فلن تجد خدمة عملاء، بل ستتلقى “دوشاً” من أغلظ الشتائم التي تجعلك تشعر أنك لست زبوناً دفع ثمن تذكرته، بل عبد آبق فار من الخدمة في قصر السائق السعيد.


ولكي تكتمل اللوحة الكاريكاتيرية، يتدخل “مفتشو الحافلات” أو “الكونترولية”. هؤلاء الذين تجردوا من بذلة الموظف ليرتدوا كاريزما “قوات الكوماندوز” في فيلم أكشن مرعب. يقتحمون الحافلة بنظرات صقرية تثير الرعب في النفوس، ويمارسون الترهيب والتفتيش الاستعراضي وكأنهم يطاردون مهربي سلاح دوليين، وليسوا مواطنين وبسطاء يبحثون فقط عن “نصف مقعد” للوصول إلى لقمة عيشهم بنصف كرامة ونصف رئة.
لغز “الركاب الثلاثة” والمحطات المهجورة: الجشع الحسابي!
في أولاد تايمة، فسيارات الأجرة الصغيرة تلعب معك لعبة “الاحتمالات الرياضية”. القانون يشرع ركوب ثلاثة أشخاص؟ حسناً، السائقون هناك لديهم “فيتو” ضد العائلات. إذا وقفت مع زوجتك وابنك، سيمر الطاكسي بجانبك وكأنك كائن شفاف؛ فالسبب ليس عداءً شخصياً مع عائلتك، بل لأن السائق يمارس “البورصة الفلاحية”؛ يبحث عن ثلاثة ركاب “فرادى” لكي يضرب التسعيرة في ثلاثة مستغلاً غياب العداد.
وإذا قادتك الأقدار إلى محطة الطاكسيات الكبيرة بين أولاد تايمة وأكادير، فستعيش تجربة “ناسا” في محاكاة العيش على المريخ. المحطة عبارة عن قطعة من الجحيم: طوابير غفيرة بشرايين منتفخة تحت شمس حارقة، تحسبهم في تظاهرة مليونية، بينما المركبات تختفي فجأة في ظروف غامضة كأنها تبخرت في مثلث برمودا! لكن لا تقلق، “الويكاند” و”أوقات الذروة” هما الموسم الرسمي للابتزاز؛ ضاعف ثمن الرحلة بشكل غير قانوني، وسترى الطاكسي يخرج لك من تحت الأرض كالمارد السحري.
المجالس البلدية: نوم سريري في “دار لقمان”
وهنا نصل إلى مربط الفرس، ونوجه بوصلة الاتهام إلى من يفترض أنهم “صوت الشعب” وحماة كرامته: المجلس البلدي لتارودانت والمجلس البلدي لأولاد تايمة.
يا سادة يا كرام، يا من بحت أصواتكم في الحملات الانتخابية دفاعاً عن “المواطن المستضعف”: أين أنتم من هذه الفوضى العارمة؟ يبدو أن السادة المستشارين والمجالس المنتخبة يعيشون في كوكب مكيف، ويظنون أن الساكنة تتنقل عبر “السجاد السحري” أو طائرات “الدرون”.
إن صمت المجلس البلدي لأولاد تايمة عن عدم فرض “العداد الإلزامي” قطعاً لدابر جشع الطاكسيات الصغيرة هو تزكية صريحة للابتزاز. وتغاضي المجلس البلدي لتارودانت عن فوضى الحافلات وغياب المراقبة في المحطات، يجعل من شعارات “تنمية المدينة وتجويد الخدمات” مجرد حبر على ورق ونكتة سمجة في الصالونات السياسية. لقد تحولت هذه المجالس إلى شاهد زور يتقن فن “التواطؤ الصامت”، تاركة المواطن الأعزل الذي صوت عليها ضحية مباشرة لـ “بلطجة” الطرقات ومضاربات السوق السوداء في واضحة النهار.
الجمعيات المهنية والنقابات: عضلات في الدعم.. وصمت في التأطير
أما الجمعيات المهنية ونقابات قطاع النقل، فهي تعيش في “دار غفلون”. هذه الإطارات لا تظهر عضلاتها البلاغية إلا عندما تطالب بزيادة التسعيرة، أو كعكة الدعم الحكومي للمحروقات، أو خوض إضرابات تشل حركة السير.
أين هي هذه الجمعيات من “تأطير” منخرطيها؟ أين هي “أخلاقيات المهنة” التي يتشدقون بها في الاجتماعات الرسمية؟ إن دفاع النقابات عن سائق يسب الزبناء أو يبتزهم هو “ريع أخلاقي” بامتياز. الأمانة تقتضي القول إن هناك سائقين شرفاء ومهنيين بأخلاق عالية، لكن “الحوتة الخنزة كتعفن الشواري”، وصمت الجمعيات المهنية عن المبتزين والمشرملين يساهم في إعدام ما تبقى من نبل هذه المهنة.
كلمة أخيرة: عندما تدفع ثمن “الإهانة” من جيبك ووقتك
إن النقل العمومي ليس “صدقة” أو منّة يتصدق بها السائق أو المسؤول على المواطن، بل هو خدمة عمومية مدفوعة الأجر؛ ومن المخزي أن يتحول هذا الواجب إلى اختبار يومي للصبر والتحمل، يدفع ضريبته المواطن البسيط من أعصابه، وجيبه، ووقته. ليس من المقبول، ولا من الإنساني في شيء، أن يخرج عامل مياوم، أو طالب جامعي، أو امرأة مسنة في الصباح الباكر، ليعودوا في المساء بـجيوب مثقوبة، وأجساد منهكة من “الحشر” في علب السردين، ونفوس مكسورة من وابل الشتائم والإهانات. المواطن لا يستجدي أحداً في بلده؛ إنه يدفع من عرق جبينه تذكرة الحافلة وثمن “المقعد” في الطاكسي، ومن حقه الأدنى أن يحظى برحلة تحفظ آدميته.
وإلى أن تستيقظ المجالس البلدية في تارودانت وأولاد تايمة من غيبوبتها الاختيارية، وتدرك أن دورها يتجاوز كراسي الاجتماعات المريحة إلى النزول للميدان وفرض “اخلاقيات المهنة” وزجر المخالفين، وإلى أن تتحرك الجمعيات المهنية لتطهير صفوفها وتربية بعض مسيريها على مبادئ اللباقة؛ سنظل نركب هذه الوسائل بنصف كرامة.. ونصف أوكسجين. تذكروا جيداً يا “نواب الشعب”: إن كرامة المواطن السوسي التي تُهدر يومياً في المحطات وعلى عتبات الحافلات، هي المحك الحقيقي لوعودكم الانتخابية، فإما كرامة تصون الإنسان، أو استقالة جماعية تعفيكم من مسؤولية خذلان من وثقوا بكم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News