مقدمة :
في زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، لم يعد النفوذ يقاس فقط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبح للقوة الناعمة دورًا محوريًا في رسم صورة الدول وإبراز مكانتها.
المغرب، بما يملكه من رصيد حضاري وثقافي وروحي، يجد نفسه في قلب هذا النقاش حول حدود تأثيره بالقوة الناعمة، وكيف يتأثر بدوره بالتحولات الخارجية.
في هذا السياق، يطل علينا الكاتب الهواري محمد مفتاح عبر سلسلة من المقالات التي تنشرها جريدة كابريس، حيث يفتح نقاشًا معمقًا حول أبعاد القوة الناعمة المغربية، من خلال أبواب متنوعة تجمع بين التحليل الثقافي والاجتماعي والسياسي.
هذه السلسلة تسعى إلى تفكيك العلاقة بين التأثير والتأثر، بين السيادة والتبعية، وبين حضور المؤثر الرقمي كفاعل جديد في المشهد العام.
الأبواب التي يتناولها الكاتب:
جزء 1: سفراء اللايكات
جزء 2: بين سندان السيادة ومطرقة التبعية – المقال الأول
جزء 3: بين سندان السيادة ومطرقة التبعية – المقال الثاني
جزء 4: المؤثر المغربي والصدام بين السيادة والتبعية
جزء 5: المؤثر الرقمي “فاعل سياسي أم كركوزة في مسرح الأجندات؟”
هذه الافتتاحية تمهيد لرحلة فكرية تسعى إلى فهم كيف يوظف المغرب قوته الناعمة، وكيف يواجه تحديات العصر الرقمي، في توازن دقيق بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم.
الجزء االأول
سفراء “اللايك”: دور صناع المحتوى في تشكيل القوة الناعمة المغربية.
تُعد القوة الناعمة في العصر الراهن سلاحاً غير مرئي يعيد صياغة العلاقات الدولية بعيداً عن لغة الأسلحة والضغوط الاقتصادية؛ فهي قدرة الدولة على الجذب والإقناع من خلال الثقافة، والقيم، والنموذج الاجتماعي. وفي قلب هذا التحول، لم يعد “صناعة التأثير” حكراً على المؤسسات الرسمية، بل انتقل جزء كبير من هذه السلطة إلى يد المؤثرين الرقميين الذين أضحوا سفراء غير رسميين، يمتلكون القدرة على تسويق صورة الوطن أو خدشها بـ “نقرة” واحدة.
ويقف المغرب اليوم في قلب هذا التفاعل الديناميكي؛ حيث تتقاطع عراقة التاريخ المغربي بجمالياته المعمارية والمطبخية مع حيوية “الفضاء الأزرق”. لقد بات المؤثر الرقمي المغربي فاعلاً أساسياً في تصدير “التمغربيت” كعلامة تجارية تجذب السياح وتستقطب التعاطف الدولي، لكنه في الوقت ذاته يجد نفسه في مواجهة مفتوحة أمام قوى ناعمة عابرة للحدود تؤثر في قيمه واستهلاكه.
فكيف ساهم المؤثرون الرقميون في تحويل التراث المغربي من رأسمال مادي إلى قوة ناعمة عابرة للحدود؟، وإلى أي حد يمكن اعتبار “صناع المحتوى” أداة للدبلوماسية الشعبية في الدفاع عن القضايا الوطنية والمصالح الاستراتيجية للمملكة؟، بل ما هي حدود الفاصل بين التأثير الإيجابي (تسويق الهوية) وبين التأثر السلبي بالنماذج الرقمية الوافدة التي قد تهدد الخصوصية الثقافية للمغرب؟، وهل يمتلك المغرب استراتيجية واضحة لاحتواء وتوجيه هذا التأثير الرقمي لخدمة صورته الدولية، أم أن الأمر لا يعدو كونها مبادرات فردية عفوية؟
























