عيد بلا أضاحي.. حين تحول الفقر إلى فضيحة موسمية

kapress3 ساعات agoLast Update :
عيد بلا أضاحي.. حين تحول الفقر إلى فضيحة موسمية

منير نافيع العيون


لم يعد عيد الأضحى في المغرب مناسبة دينية تجمع الأسر حول الفرح والتكافل، بل صار موسما سنويا لإذلال الفقراء وتعريتهم أمام أبنائهم. ملايين المغاربة دخلوا الأسواق هذا العام لا بحثا عن “حولي”، بل بحثا عن بصيص كرامة، قبل أن يصطدموا بواقع صادم: الأسعار انفجرت، والقدرة الشرائية انهارت، والمسؤولون مازالوا يتحدثون بلغة بعيدة عن وجع الناس.

في الأحياء الشعبية، كان المشهد قاسيا إلى حد الإهانة. آباء خرجوا من الأسواق منكسي الرؤوس، بعدما اكتشفوا أن الأضحية تحولت إلى امتياز طبقي، لا يقدر عليه سوى أصحاب المال والنفوذ. أما الفقراء، والعمال البسطاء، والمتقاعدون، والأرامل، وذوو الدخل المحدود، فقد وجدوا أنفسهم خارج “عيد الوطن”، وكأنهم مواطنون من درجة منسية.

الأخطر من الغلاء نفسه، هو الاستفزاز السياسي الذي رافقه. حين خرج وزير الفلاحة ليحدث المغاربة عن وجود خروف بـ1000 درهم، بدا الأمر وكأنه سخرية ثقيلة من شعب أنهكته الأسعار. المغاربة الذين طافوا الأسواق من الصباح إلى المساء لم يجدوا هذا “الخروف الأسطوري”، بل وجدوا واقعا أكثر قسوة: سماسرة يتحكمون في السوق، أسعار مشتعلة، وحكومة تبدو عاجزة أو غير راغبة في حماية القدرة الشرائية للمواطن.

فأي أسواق زارها الوزير؟ وأي مغاربة التقى بهم؟ هل وقف وسط الأحياء الهامشية ورأى كيف عاد الآباء إلى بيوتهم خاليي اليدين؟ أم أن التقارير المزينة داخل المكاتب المكيفة أصبحت أهم من الحقيقة التي تغلي في الشوارع.

المغاربة لم يعودوا غاضبين فقط من الأسعار، بل من هذا الانفصال المخيف بين السلطة والواقع. المواطن اليوم يشعر أن معاناته لا تصل، وأن المسؤولين يتحدثون عن بلد آخر غير الذي يعيش فيه. بلد في التقارير فيه “أضاحي متوفرة”، بينما الحقيقة في الأسواق تقول إن العيد أصبح حلما مؤجلا للفقراء.

عيد الأضحى الذي كان مناسبة للفرح والتضامن، تحول إلى موسم للاختناق الاجتماعي. أطفال يسألون عن الأضحية، وآباء يهربون من الأجوبة، ليس لأنهم بخلاء، بل لأن الجيوب أفرغتها موجة غلاء لا ترحم. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يصبح المواطن عاجزا حتى عن حماية فرحة أطفاله.

كان على المسؤولين أن يتحلوا بشجاعة الاعتراف، لا بترف التصريحات المستفزة. كان عليهم أن يقولوا الحقيقة كما هي: نعم، الأسعار خرجت عن السيطرة، نعم، الفقراء يسحقون بصمت، ونعم، هناك فشل واضح في حماية القدرة الشرائية للمغاربة. أما الاستمرار في تجميل الواقع، فلن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الشعب ومن يفترض أنهم يتحدثون باسمه.

اليوم، لم تعد الأزمة فقط أزمة أضاحي، بل أزمة ثقة… وأزمة كرامة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News