بقلم : محمد مفتاح
تتجه الأنظار مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لعام 2026 نحو كواليس الصالونات السياسية بالمغرب، ليس فقط لرصد موازين القوى العددية بين الأحزاب، بل لمحاولة فك شفرة البروفايل الذي سيقود المرحلة المقبلة في ظل معادلة ملكية حاسمة عنوانها الأبرز: “الرجل المناسب في المكان المناسب” وتخليق الحياة العامة. لم يعد الرهان الانتخابي مقتصراً على تعبئة كبار الأعيان وضمان الخزان الانتخابي التقليدي، بل أصبحت شروط الكفاءة التدبيرية ونقاء الذمة المالية هي جواز المرور الحقيقي نحو قيادة السفينة الحكومية، خصوصاً مع تحرك الآلة القضائية والمؤسسات الرقابية بشكل غير مسبوق لتطهير المشهد من شبهات الفساد وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
في خضم هذه التحولات، تبرز التخمينات سيناريوهات متعددة تشكل ملامح القيادة المقبلة؛ يتجلى أولها في صعود الخيار التكنوقراطي “الأبيض” المستقل عن الحسابات الحزبية الضيقة كحاجة ملحة لإدارة الأوراش الكبرى ومشاريع مونديال 2030 بعيداً عن المزايدات. وهنا يبرز سيناريو مثير يلوح في الأفق يتجاوز مجرد الاستعانة بالتكنوقراط، وهو إمكانية تكرار “سيناريو عزيز أخنوش” مع حزب التجمع الوطني للأحرار، لكن هذه المرة من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة “البام” عبر شخصية فوزي لقجع. ورغم خروج الوزير المنتدب المكلف بالميزانية مؤخراً لينفي رسمياً انخراطه الحزبي أو ترشحه، إلا أن التقارير التي تتحدث عن سعي قيادة “البام” برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري لاستقطابه تظل قائمة؛ إذ إن ضخ بروفايل بوزن لقجع المشهود له بالصرامة المالية والنجاح الإداري، قد يمنح الحزب “صك براءة” سياسي وتدبيري يعيده كبديل تكنوقراطي نظيف مؤهل لقيادة المرحلة.
أما السيناريو الثاني، فيُعول على حدوث “ثورة تصحيحية” داخل بقية مكونات التحالف الحكومي، حيث يحاول قادة مثل نزار بركة في حزب الاستقلال تقديم جيل جديد من النخب والبروفايلات التدبيرية الشابة، مراهنين على تطهير لوائحهم من الأسماء الملاحقة قضائياً لاستعادة الثقة مع كتل ناخبة جديدة (جيل زد). وفي المقابل، يتبلور سيناريو ثالث تحركه رياح المعارضة، حيث يسعى عبد الإله بنكيران لاستثمار خطابه الكاريزمي لترميم تصدعات حزب العدالة والتنمية عبر تقديم لوائح مرشحين مبكرة لتعزيز الشفافية، بينما تجد قوى اليسار الموحد، بزعامة نبيلة منيب وفاطمة التامني، في شعار “محاربة زواج المال والسلطة” أرضية خصبة لاستقطاب الفئات الناقمة على التدبير الكلاسيكي، بموازاة أصوات الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية المدافعة عن العالم القروي.
وعلى صعيد هندسة الخريطة الانتخابية وحسم الصدارة، تصطدم هذه الطموحات بالمقارنة الحتمية بين الوزن الانتخابي للعالم القروي والمجال الحضري. وتؤكد التجربة السياسية المغربية أن الحسم لا يمر دائماً عبر المدن الكبرى التي ترتفع فيها عادة نسب العزوف، بل يظل “العالم القروي” والمناطق الشبه حضرية هي المرجح الفعلي لكفة الأحزاب، نظراً لارتفاع نسب المشاركة بها ووفائها للبنيات التقليدية وشبكات النفوذ المحلي. وتضع هذه المعطيات المركبة الأحزاب أمام معادلة بالغة التعقيد؛ إذ ستكون مجبرة على التوفيق بين متطلبات الواقعية الانتخابية في القرى لضمان المقاعد، وبين تقديم وجوه تكنوقراطية بيضاء ونزيهة تحظى بالقبول الأخلاقي والقانوني المطلوب. إن القائد المقبل للمغرب لن تصنعه الترضيات، بل ستفرزه صناديق الاقتراع الخاضعة لفلاتر النزاهة وموازين القوى الترابية في عمق المغرب وهوامشه.
وفي المحصلة، فإن الطريق نحو خريف 2026 لن يكون مجرد سباق تقليدي نحو صناديق الاقتراع، بل هو امتحان حقيقي لمدى قدرة النخبة الحزبية على التماهي مع الإرادة الملكية الصارمة في محاربة الفساد وتجديد الدماء. وأمام هذه المعادلة المعقدة، تظل الأسئلة المشروعة معلقة في فضاء الاستشراف السياسي: هل ستنجح “فلاتر” النزاهة والقضاء في تقديم مشهد حكومي نظيف ومقنع لكتلة ناخبة شابة ومترددة؟ وإلى أي حد يمكن للسيناريو التكنوقراطي المستقطب أن يصمد أمام الواقعية الانتخابية الصلبة للعالم القروي التي طالما حسمت المعادلات؟ والأهم من ذلك كله، هل يفرز “مطبخ 2026” رئيس حكومة قادراً على الموازنة بين متطلبات تدبير الأوراش الاستراتيجية الكبرى للمملكة، وبين الحفاظ على التوازنات السياسية والاجتماعية في مغرب ما بعد الاستحقاقات؟ الأيام وحدها كفيلة بصياغة الأجوبة الكاملة.
مطبخ 2026 السياسي: السيناريوهات الممكنة لرئيس الحكومة المقبل























