بقلم الكاتب : محمد مفتاح
في خضم هذا التجاذب بين “السيادة” و”التبعِيَّة”، تبرز انقسامات حادة داخل المشهد الرقمي المغربي، حيث لم يعد المؤثرون كتلة متجانسة، بل انقسموا إلى تيارين متناقضين يعكسان صراع السرعات الذي تعيشه البلاد:
1- مؤثرون في خدمة “السرعة القصوى” (تيار السيادة):
يتبنى هذا التيار خطاباً هجومياً يتماشى مع طموحات الدولة، حيث يسخر هؤلاء المؤثرون منصاتهم للترويج للمشاريع المهيكلة، والدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، وفضح حملات “التبخيس” التي تقودها اللوبيات الخارجية. إنهم يعملون كـ “دبلوماسية شعبية رقمية” تعزز الفخر بـ “تمغربيت” وتُسوق للمغرب كقوة صاعدة قادرة على منافسة الكبار، مما يساهم في تحصين الجبهة الداخلية ضد خطابات الإحباط والتبعية.
2- مؤثرون بـ “سرعة كابحة” (تيار التبعِيَّة أو الاستلاب):
في المقابل، يظهر صنف من المؤثرين الذين يشكلون “وعياً زائداً” يخدم – بوعي أو دونه – أجندات اللوبيات الخارجية. يتميز خطاب هؤلاء بالتركيز المفرط على جلد الذات، وتضخيم النواقص، وتكريس صورة المغرب كبلد “عاجز” لا يمكنه العيش خارج الوصاية الأجنبية. هؤلاء المؤثرون، وغالباً ما يكونون متأثرين بنماذج ثقافية وافدة أو خاضعين لإغراءات التمويل والدعم الخارجي، يمارسون دور “الفرملة” النفسية، حيث يعملون على تشكيك المواطن في جدوى المشاريع السيادية، مما يخدم بشكل مباشر استراتيجية القوى الاستعمارية التي تسعى لإبقاء المغرب في منطقة التبعية والارتباك التنموي.
هذا التفرق يجعل من الفضاء الرقمي المغربي ساحة حرب ناعمة بامتياز، حيث يتصارع “مؤثرو السيادة” الذين يطمحون للسرعة القصوى، مع “مؤثري التبعية” الذين يقتاتون على إيقاع السرعة الكابحة.
إن حسم المعركة بين “تيار السيادة” و “تيار التبعية” في الفضاء الرقمي يتطلب تجاوز المقاربة التقليدية في التعامل مع المؤثرين؛ فالدولة والمجتمع مدعوان اليوم لبلورة “وعي استراتيجي رقمي” يفرز الغث من السمين. لا يقتصر الأمر على مجرد التصدي لخطابات التبخيس والكبح، بل يمتد إلى ضرورة احتضان ودعم “صناع المحتوى السياديين” الذين يمتلكون الكفاءة والقدرة على تبسيط الرهانات الاقتصادية والسياسية الكبرى بلغة العصر. إن تحويل القوة الناعمة المغربية إلى أداة ضاربة يمر حتماً عبر خلق “كتلة تاريخية رقمية” تعي جيداً الفرق بين النقد البنّاء الذي يطمح للرقي بالوطن، وبين الترويج لخطابات “الفرملة” التي تخدم اللوبيات الاستعمارية. وفي نهاية المطاف، فإن نجاح “السرعة القصوى” للنموذج التنموي المغربي يظل رهيناً بمدى قدرتنا على تحرير الوعي الجمعي من قيود الاستلاب الثقافي والتبعية الفكرية، وتحويل كل “هاتف ذكي” إلى منصة للدفاع عن السيادة والريادة المغربية.
القوة الناعمة بالمغرب بين التأثير والتأثر -4-المؤثر المغربي والصدام بين “السيادة” و”التبعية”






















