جدلية التعدد والوحدة: قراءة في أبعاد المسألة الأمازيغية والخصوصية المغربية

يوسف بدري17 دقيقة agoLast Update :
جدلية التعدد والوحدة: قراءة في أبعاد المسألة الأمازيغية والخصوصية المغربية

الكاتب : محمد مفتاح


مقدمة: أفق الهوية التركيبية
تُشكل المسألة الأمازيغية في شمال إفريقيا إحدى أبرز الإشكاليات الفكرية والسياسية المُرتبطة بسؤال الهوية وبناء الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال. ولئن اتسمت هذه القضية بالحدّة والاستقطاب الأيديولوجي في العديد من السياقات الإقليمية، فإن الحالة المغربية قدّمت نموذجاً مغايراً تميز بنوع من المرونة والتدرج والمأسسة. إن مقاربة هذا الملف تقتضي تبني قراءة موضوعية تتجاوز ثنائية الإقصاء والتعصب العرقي المضاد، لتأصيل مفهوم “الهوية التركيبية” التي تنصهر فيها الروافد المتعددة دون إلغاء للخصوصيات الثقافية واللغوية.


أولاً: من الأحادية الإقصائية إلى التعددية الدستورية
لقد عانت الأمازيغية لعقود من التهميش المؤسساتي نتيجة لسياسات التعريب الشامل التي تبنتها نخب ما بعد الاستقلال كآلية مستعجلة لبناء الانسجام الوطني وتجاوز إرث الاستعمار التفكيكي. بيد أن هذا الاختيار قاد إلى توليد حركة مطلبية وثقافية دافعت عن الحق في التنوع اللغوي والحضاري. وتمثلت الخصوصية المغربية في الانتقال الهادئ من دائرة الصراع الهامشي إلى فضاء التوافق الوطني؛ حيث شكّل “خطاب أجدير” الملكي عام 2001 منعطفاً تاريخياً نقل الملف من التجاذب الحزبي الضيق إلى الرعاية السيادية، وتُوّج هذا المسار بالتنصيص الدستوري في وثيقة 2011 على رسمية اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية، كإقرار قانوني بالتعددية كعنصر قوة لا مبرر انقسام.
ثانياً: نقد النزعة العرقية واختزال التاريخ
في مقابل تيارات الانغلاق التقليدية، يبرز في الساحة الفكرية تيار نضالي متطرف يسقط في فخ “النزعة العرقية المضادة”، عبر محاولة صياغة هوياتية بديلة تتسم بالصدام مع الثوابت المشتركة للمجتمع (كاللغة العربية والموروث الإسلامي). وتُفند القراءة الأكاديمية للتاريخ المغربي هذا الطرح الإقصائي؛ إذ إن الدول والسلالات الأمازيغية المتعاقبة (كالمرابطين والموحدين والمرينيين) لم تعش تاريخياً عقدة الصراع اللغوي، بل كانت هي ذاتها الحاضنة الأساسية للدين الإسلامي واللغة العربية، وجعلت منهما أدوات للتكامل الحضاري وبناء الإمبراطوريات المشتركة. بناءً على ذلك، فإن عزل المكون الأمازيغي عن امتداده العربي والإسلامي يمثل قراءة انتقائية تتناقض مع واقع الانصهار السوسيولوجي والقرابة الدموية والمصاهرة التي طبعت المجتمع المغربي عبر القرون.
ثالثاً: تحديات التنزيل والمواطنة التنموية
إن حصر المسألة الأمازيغية في شقها الأيديولوجي أو اللغوي الصرف يُغفل العمق الحقيقي للإشكال، والمتمثل في البعد التنموي والاجتماعي. فالمناطق الحاضنة للثقافة الأمازيغية (في الجبال والقرى الهامشية) تعاني أساساً من خصاص اقتصادي وضعف في البنيات التحتية، وهو تهميش يشترك فيه المغاربة بمختلف تعبيراتهم اللغوية. لذلك، فإن الانتقال بالأمازيغية من الترسيم القانوني إلى التفعيل الإجرائي (عبر التعليم، والإدارة، والإعلام) يتطلب تفعيل القوانين التنظيمية بعيداً عن السجالات الهوياتية الجافة، وتحويل الملف إلى رافعة للتنمية البشرية والاندماج الاقتصادي الشامل.
خاتمة: نحو مشروع مجتمعي جامع
في الختام، يظهر أن القيمة المضافة للتجربة المغربية تكمن في قدرتها على صياغة توليفة فريدة تختزلها معادلة “الوحدة في التنوع”. إن تحصين هذا المكتسب يتطلب الابتعاد عن خطابات التعصب والقطائع الحادة التي تحول الهوية إلى بؤرة توتر دائم، والتوجه نحو ترسيخ مفهوم “المواطنة الدستورية المشتركة”؛ حيث تغدو الأمازيغية، بحرفها “تيفيناغ” وأبعادها الثقافية، ملكاً ورصيداً حضارياً لجميع المغاربة دون استثناء، في إطار دولة الحق والقانون التي تحترم التعددية وتصون التلاحم الوطني

محمد مفتاح
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News