كبرياء مجروح وعجائز تائهة: كيف تحول المونديال إلى حلبة لجلد التوقعات؟

kapress18 يونيو 2026Last Update :
كبرياء مجروح وعجائز تائهة: كيف تحول المونديال إلى حلبة لجلد التوقعات؟

بقلم : محمد مفتاح
شهدت الجولة الأولى من كأس العالم 2026 تراجيديا كروية متكاملة الأركان، ومهرجاناً من الكوميديا السوداء لبعض الكبار؛ حيث انتهت الـ24 مواجهة الافتتاحية بنهايات درامية لفرق ظنت أن التاريخ وحده يكفي لتسجيل الأهداف.
ويبدو أن عمالقة اللعبة نسوا سحب الكبرياء من حساباتهم البنكية قبل النزول إلى الميدان، فبينما كان “المرشحون فوق العادة” يظنون أن أسماءهم الرنانة كفيلة بإرعاب الخصوم، جاء الرد سريعاً وصادماً. المنتخبات المغمورة لم تحترم هيبة العجائز، وحوّلت ملاعب القارة الأمريكية إلى حلبة لجلد التوقعات وإسقاط النجوم في هذه النسخة الأكبر تاريخياً، والأسرع في إحراق السيناريوهات الجاهزة. وإذا كان هذا هو مشهد الأسبوع الأول، فإن بقية البطولة تعدنا بمزيد من الضحك الأسود والدراما التي لا ترحم.
دراما السقوط والجلد المونديالي
• الماكينات الألمانية تلتهم كوراساو (7-1): يبدو أن الألمان دخلوا الميدان ظانّين أنها حصة تدريبية مغلقة خلف الأبواب، ولم يخبرهم أحد بأن هناك كاميرات بث مباشر وملايين الجماهير تشاهد هذه “المجزرة الكروية”! الرأفة غابت تماماً، وتجسدت الكوميديا في مظهر مدافعي كوراساو وهم يفتشون عن الكرة كمن أضاع مفاتيحه في الظلام.
• تونس في مهب الريح السويدية (1-5): في تونس، كان المشجعون يستعدون لسهرة كروية ممتعة، فانتهت الليلة بكابوس مرعب مستوحى من قصص الفايكنج. الدفاع التونسي قرر أخذ إجازة صيفية مبكرة وغير مدفوعة الأجر، تاركاً شباكه مشرعة أمام السويديين ليمطروها بخماسية قاسية جعلت المشاهدين يغيرون القناة هرباً من الصدمة.
• العراق يكتوي بنيران النرويج (1-4): دخل أسود الرافدين بحماس منقطع النظير، لكن إيرلينغ هالاند ورفاقه حوّلوا المباراة إلى عرض سينمائي أحادي الجانب. بدا لسان حال العراقيين في نهاية التسعين دقيقة يقول بأسى: “لقد جئنا لنلعب كرة قدم، وليس للمشاركة في فيلم رعب واكتساح نرويجي خارج عن السيطرة!”.
• فرنسا والسنغال: الصمود من أجل استقبال الثلاثية!
على غير العادة، قرر منتخب السنغال هذه المرة ألا ينسحب من المواجهة الكروية، وفضّل البقاء في الملعب حتى النهاية. فقد وقف الجميع ليرفعوا القبعة لـ “أسود التيرانجا” على استماتتهم القتالية العجيبة في تحمّل الأهداف؛ حيث صمدوا ببسالة يُحسدون عليها، فقط ليتلقوا ثلاثة أهداف فرنسية كاملة في شباكهم! واعتبر البعض أن البقاء داخل المستطيل الأخضر دون هروب إنجازٌ بحد ذاته، لتنتهي المباراة بدرس فرنسي قاس، وبندم سنغالي شديد على قرار عدم الانسحاب المبكر، خصوصاً وأن الانسحاب كان متاحاً ومبرراً لو أن الحكم احتسب ضربة الجزاء لفرنسا، لكن مع الأسف، لم تُحتسب وضاعت فرصة المغادرة الشريفة.
• أستراليا تطفئ التوهج التركي (2-0): نجح الكنغورو الأسترالي في القفز فوق التوقعات التركية الصاخبة، ليلقنهم درساً في الواقعية الكروية بهدفين نظيفين.
كبرياء الكبار المستفز (مهرجان الـ 1-1)
• المغرب يُحرج راقصي السامبا (1-1): دخلت البرازيل بكامل نجومها وغرورها التاريخي، لكن أسود الأطلس أعادوا تذكيرهم بأيام مونديال قطر الجميلة! في مباراة درامية حبست الأنفاس سادها منطق “الند بالند”، وخرج منها البرازيليون وهم يتنفسون الصعداء ويمسحون عرق الخوف، لمجرد أنهم أفلتوا بنقطة يتيمة من مخالب الأسود.
• إسبانيا وتائهو “لاروخا” في شباك الرأس الأخضر (0-0): دخل أبطال أوروبا اللقاء كمرشحين فوق العادة لالتهام منتخب يمثل جزيرة صغيرة لا يتعدى سكانها نصف مليون نسمة. لكن المفارقة الكوميدية تجلت في استحواذ إسباني سلبي عقيم وصل إلى 74% دون أي فائدة؛ حيث تحول نجوم الليغا إلى تائهين يبحثون عن مخرج أمام جدار دفاعي حديدي شيده “القروش الزرقاء”. والبطولة الحقيقية كانت للحارس المخضرم “فوزينيا” صاحب الـ 40 عاماً، والذي تحول إلى كابوس مرعب لـ فيران توريس وأويارزابال. حتى نزول اليافع لامين يامال في الشوط الثاني لم يشفع للمدرب دي لا فوينتي لفك الشفرة؛ ليخرج الماتادور الإسباني بنقطة مخيبة وسط انتقادات لاذعة لـ رودري وتصريحاته المتعالية بعد اللقاء.
• مصر تحرم الشياطين الحمر من الاحتفال (1-1): مصر تحرم الشياطين الحمر من الاحتفال (1-1): نزل البلجيكيون إلى أرضية الميدان غارقين في ثقة الفوز السهل، لكن العزيمة الفراعنية حوّلت اللقاء إلى معركة استنزاف درامية؛ لتنتهي الموقعة بتعادل بطعم الفوز للفراعنة، وبطعم “المرار الطافح” للشياطين الحمر. والمفارقة الكوميدية هنا هي أن التاريخ يُعيد نفسه ببطء شديد؛ فمصر ورغم مواجهتها لمنتخب بلجيكي “عجوز” تخطى معظم نجومه سن التقاعد الكروي، إلا أنها رفضت كسر التقاليد، ولا زالت تبحث حتى يومنا هذا عن فوزها الأول تاريخياً في مشاركاتها المونديالية! فيبدو أن الفراعنة يفضلون تحنيط النقاط عوضاً عن حصدها كاملة، أو ربما أن “الناموس الأمريكي” قد شنّ هجوماً مضاداً أحبط تكتيكات الكابتن حسام الفنية بالكامل!
• البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية (1-1): رونالدو ورفاقه نزلوا المستطيل الأخضر بنية “الاستعراض السينمائي” وتجميع المشاهدات، ليفاجأوا بـ “جدار كونغولي” صلب حوّل نزهتهم إلى تراجيديا برتغالية عاجزة عن فك شفرة الدفاع، وسط دهشة وضحكات عارمة من الجماهير المحايدة التي استمتعت بجرعة الكوميديا.
• السعودية تلدغ الأوروغواي (1-1): في سهرة درامية بامتياز، تجلّى كبرياء الصقور الخضر مجدداً ليفرضوا تعادلاً تاريخياً ومثيراً أمام رفاق فالفيردي، تاركين عملاق أمريكا الجنوبية يضرب كفاً بكف، غارقاً في حيرة من أمره بعد أن طارت النقاط الثلاث من بين يديه بلذعة سعودية مباغتة.
• قطر وسويسرا (1-1).. التعادل العادل: دخل العنابي بمؤازرة جماهيرية لافتة، ليفرض تعادلاً منطقياً أمام الآلة السويسرية الصارمة، في لقاء شهد توازناً كبيراً خيب آمال السويسريين في خطف انتصار سهل.
• كندا والبوسنة.. حذر شديد وتقاسم للنقاط (1-1): في مواجهة غلب عليها الخوف من الهزيمة المبكرة، اكتفى الطرفان بتبادل هدفين وتقاسم كعكة النقاط؛ ليلة كندية باردة لم تشهد أي إثارة تذكر، بل كانت أقرب لـ “اتفاقية سلام كروية” غير معلنة هرباً من الحسابات المعقدة.

الاستعراض والمنطق الواضح
• الأرجنتين تبتسم على حساب الجزائر (3-0): يبدو أن بطل العالم لم يجد في جدول أعماله المزدحم أي وقت للمزاح أو مجاملة الضيوف؛ فحظر ميسي ورفاقه كل محاولات المنافسة وحولوا المستطيل الأخضر إلى مسرح استعراضي خاص بهم. وقد جاءت النتيجة منطقية وصادمة لمنتخب رشحه إعلامه المنفوخ لتقليد أسود الأطلس ولعب أدوار طلائعية في هذه المشاركة، بينما تمثلت الدراما الحقيقية في غياب الفعالية الجزائرية تماماً، وكأن المحاربين نسوا أسلحتهم الهجومية في غرف الملابس واكتفوا بمشاهدة العرض الفني الفاخر!
• إنجلترا تؤدب كرواتيا (4-2): في سهرة هوليوودية صاخبة مليئة بالأهداف المتتالية والإثارة المفرطة، نجح الإنجليز في تصفية الحسابات التاريخية القديمة وقدموا عرضاً هجومياً ممتعاً. وفي المقابل، ظهر الدفاع الكرواتي عاجزاً ومثقلاً بالسنوات، وكأنه يطالب حكام اللقاء بتوفير “عكاز” طبي لكل مدافع لمجاراة السرعات الإنجليزية النفاثة التي دمرت حصونهم.
• أمريكا تكتسح الباراغواي (4-1): استغل أصحاب الأرض عاملي الأرض والجمهور والأجواء المشتعلة ليحولوا المستطيل الأخضر إلى “حفلة شواء” حقيقية لمنتخب الباراغواي! تاه لاعبو اللاتين تماماً في الميدان وسط صدمة مدربهم الذي وقف عاجزاً يراقب فريقه وهو يُلتهم هجوماً ويسقط برباعية أمريكية قاسية لا ترحم.
• كولومبيا تعبر أوزبكستان بثلاثية مريحة (3-1): نزل الأوزبك أرض الميدان ولديهم النية لإحداث “مفاجأة مونديالية”، لكن لويس دياز ورفاقه قرروا إعادتهم إلى الواقع سريعاً؛ بثلاثية كولومبية حاسمة أثبتت أن حماس وسط آسيا لا يكفي لمجاراة رقصات اللاتين، ليخرج الأوزبك بنقطة مضيئة وحيدة وهدف شرفي يتيم.
• هولندا واليابان.. إثارة مجنونة بلا فائز (2-2): في مباراة جرت أحداثها بسرعة الضوء، تاه الدفاع الهولندي أمام التنظيم الياباني الصارم؛ النتيجة انتهت بتعادل عادل، لكن الكوميديا تجلت في مظهر المدافعين الطواحين وهم يطاردون “الساموراي” يميناً وشمالاً دون جدوى، وكأنهم يطاردون أشباحاً رقمية.
• إيران ونيوزيلندا والتعادل المثير (2-2): في سهرة شهدت تقلبات درامية مستمرة، رفض النيوزيلنديون الاستسلام للخبرة الإيرانية؛ تعادل مثير أبقى الأمور معلقة في المجموعة، وترك الفريقين يتقاسمان النقاط والحسرة على الفرص الضائعة في الأنفاس الأخيرة.
مفارقات أفريقية ولدغات لاتينية ونكسة نشامية تشيكية:
• المكسيك تفتتح الحفل وتخنق جنوب أفريقيا (2-0): نزل المستضيف المكسيكي إلى ملعبه العريق محاطاً بجيش من الجماهير الصاخبة، ولم يكتفِ بهز الشباك مرتين بل حوّل المباراة إلى مسرح لطرد البطاقات الحمراء العشوائية. “الأولاد” من جنوب أفريقيا تاهوا في صخب العاصمة، وخرجوا من المباراة مطرودين بهدفين وبطاقتين حمراوين، وكأنهم جاؤوا لتأدية واجب اجتماعي سريع والمغادرة هرباً من زحام المدينة.
• الأردن يصطدم بالانضباط النمساوي (1-3): دخل النشامى بكل طموح لتأكيد طفرتهم الآسيوية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام “آلة نمساوية” لا ترحم ولا تلتفت للمشاعر والسيناريوهات العاطفية. النمساويون أحكموا قبضتهم على اللقاء، وحوّلوا طموح الأردن إلى درس تكتيكي قاسٍ بثلاثية؛ ليخرج المنتخب الأردني بهدف يتيم وندم شديد على فتح الخطوط أمام سرعات القارة العجوز.
• كوت ديفوار تلدغ الإكوادور بـ “الحد الأدنى” (1-0): في مواجهة اتسمت بالخشونة الأفريقية والاندفاع اللاتيني، قرر الأفيال العاجيون ألا يرهقوا أنفسهم كثيراً في الركض؛ فاكتفوا بهدف يتيم مبكر أغلقوا بعده كل المنافذ. لاعبو الإكوادور ظلوا يركضون طوال التسعين دقيقة بلا جدوى، وكأنهم يطاردون شبحاً، لتنتهي المباراة بانتصار عاجي ذكي أثبت أن النقاط الثلاث تُحصد بالعقل لا بكثرة الجري.
• هايتي وإسكتلندا (0-1): صمدت هايتي ببسالة، لكن ضربة إسكتلندية يتيمة كانت كافية لتبخير أحلام الكاريبي في الخروج بنقطة تاريخية.
• غانا تنجو من كمين بنما في الوقت القاتل (1-0): يبدو أن النجوم السوداء كادوا أن يتسببوا في جلطة كروية جماعية لجماهيرهم؛ حيث انتظروا حتى الدقائق الأخيرة من المباراة ليتذكروا أنهم يلعبون في كأس العالم! فبعد عرض عشوائي كاد ينتهي بتعادل مخيب، جاء الهدف القاتل في الأنفاس الأخيرة لينقذ ماء وجه غانا، ويصيب لاعبي بنما بصدمة نفسية حادة بعد صمود أسطوري تبخر في ثانية.
• كوريا الجنوبية تصعق التشيك (2-1): واصل الشمشون الكوري هوايته المفضلة في الركض النفاث وعرقلة طموحات القارة العجوز. التشيكيون دخلوا المباراة بثقة مفرطة، لكن السرعات الكورية حوّلت الدفاع التشيكي إلى مجرد شواخص مرورية في ليلة آسيوية صاخبة أسقطت التوقعات الأوروبية.
إلى الجولة الثانية.. جهزوا حبوب الضغط!
في نهاية هذا الجنون الكروي، أسدلت الجولة الافتتاحية لمونديال 2026 الستار عن فصولها الهزلية، تاركةً خلفها كبرياءً مجروحاً لعمالقة اللعبة، وفرحة عارمة للمغمورين، وحيرة لا تنتهي لجمهور “الفانتازي” الذين احترقت تشكيلاتهم مع أول صافرة! لقد أثبت الأسبوع الأول أن أسماء المنتخبات وتاريخها المجيد لا تسجل الأهداف في شباك الحاضر، وأن ملاعب القارة الأمريكية لن ترحم من ينزل الميدان للاستعراض، أو يترك دفاعه مكشوفاً لهجمات “الناموس” التكتيكي المفاجئ.
النصيحة الذهبية لمدربي المنتخبات قبل صافرة الجولة الثانية: راجعوا حساباتكم الكروية جيداً، واعلموا أن الجماهير لن تتحمل جرعات أخرى من هذه الكوميديا السوداء؛ فإما اللعب برجولة وهز الشباك، وإما حزم الحقائب مبكراً والعودة إلى الديار لمتابعة بقية البطولة من خلف الشاشات مع كوب شاي دافئ.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News