عطش أولاد تايمة وسياسة “الحبة والقبة”: هل أصبح الماء إنجازاً بطولياً؟

kapress17 دقيقة agoLast Update :
عطش أولاد تايمة وسياسة “الحبة والقبة”: هل أصبح الماء إنجازاً بطولياً؟

محمد مفتاح
صدق أو لا تصدق: في الألفية الثالثة، وفي مدينة بحجم “أولاد تايمة” التي يتجاوز تعداد ساكنتها عتبة الـ100 ألف نسمة، لا يزال مجلسنا الجماعي الموقر يعتبر تزويد المواطنين بالماء الصالح للشرب إنجازاً بطولياً يستحق التباهي والتهليل! والأدهى من ذلك، أن نُضخم “الحبة لنجعل منها قبة” نُدير على هامشها صراعاً سياسياً محموماً بين الأغلبية والمعارضة. هذا المشهد السريالي أملته تفاصيل الدورة الاستثنائية الأخيرة، التي احتضنتها قاعة الاجتماعات بمقر الجماعة، بمناسبة مناقشة نقطة تتعلق باتفاقية شراكة مع “الشركة الجهوية متعددة الخدمات”، بهدف تزويد أحياء محرومة بالماء الشروب وتوسيع شبكة التوزيع بها. والمثير للاستغراب حقاً، هو أن يتحول موضوع بديهي لا يحمل أي عنصر مفاجأة، إلى ساحة لتصفية الحسابات الضيقة، في وقت كان يُفترض فيه أن يمر القرار بصمت خجلاً من تأخر دام سنوات!
إن ما شهدته ردهات قاعة الاجتماعات من تراشق بالاتهامات ومزايدات فارغة يعكس أزمة حقيقية في وعي النخبة السياسية بالمدينة. فالماء، كعصب للحياة وكرامة إنسانية، لا يملك لوناً سياسياً ولا يقبل التخندق في خانة التحالفات أو التناحرات الضيقة. وبعيداً عن مسرحيات “البوليميك” الانتخابي، يجب وضع الأصبع على الجرح الغائر: إن عطش الساكنة اليوم في بعض الأحياء الهامشية والمحرومة هو نتاج تراكمي لفشل ذريع تتقاسمه بالتساوي كل المجالس الجماعية المتعاقبة بمختلف أطيافها وتلويناتها السياسية. لقد توالت الوجوه، وتغيرت المقاعد والولايات، وبقيت الوعود الانتخابية المعسولة حبراً على ورق، بينما ظلت ساكنة الهوامش تتجرع مرارة الحرمان في صمت. إن لجوء المجلس الحالي لإبرام اتفاقية مع الشركة الجهوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس فتحاً مبيناً، بل هو إعلان رسمي عن عجز بنيوي ممتد وموروث؛ عجز عجزت كل النخب السابقة والحالية عن إيجاد حل ذاتي ودائم، يعفينا من إهدار المزيد من العقود في صراعات كرتونية حول المصالح الضيقة.
والواضح جليا أن التضخم المخيف الذي يشهده ملف الأحياء المحرومة اليوم بأولاد تايمة، وتراكم الأزمات الاجتماعية المقلقة، هو الثمرة المرة لغياب تام لشيء اسمه “الاستراتيجيات المستقبلية والرؤى الاستباقية” في أجندة مدبري الشأن المحلي. لقد تعاملت المجالس المتعاقبة مع التوسع العمراني والديمغرافي للمدينة بمنطق “إطفاء الحرائق” والحلول الترقيعية، عوض التخطيط العلمي المستدام الذي يستشرف الاحتياجات الأساسية للساكنة قبل حدوث الكارثة. إن العجز عن توقع عطش أحياء كاملة في مدينة تنمو بسرعة، هو إدانة صريحة لأسلوب تدبير عشوائي يفتقد لبُعد النظر، ويفضل دغدغة العواطف في المواسم الانتخابية على بناء بنيات تحتية صلبة تقي المدينة وأهلها ذل الحاجة والانتظار.
وهنا، لا بد للتاريخ أن ينطق بالحق والحقيقة؛ فلو تُرِك مصير مدينة أولاد تايمة بيد هذه المجالس المتعاقبة لظلَّت أحياؤنا تعيش في ظلام دامس، ولَكُنَّا إلى حدود الساعة نبحث في طوابير طويلة عن “صنبور ماء” أو “مصباح كهرباء” يعيد للمنطقة شيئاً من الآدمية، بل لكانت بعض الهوامش ترزح في زمن العزلة والجاهلية التدبيرية! إن الفضل كل الفضل في إنقاذ أولاد تايمة من السكتة التنموية يعود إلى “جمعيات الأحياء” والمجتمع المدني الحيوي الذي شمر عن ساعد الجد منذ تسعينيات القرن الماضي. في ذلك الزمن الذي غابت فيه الجماعة، استطاعت هذه الإطارات الجمعوية الغيورة، بذكائها الميداني وقدرتها على نسج شراكات تاريخية مع منظمات دولية، أن تقتحم مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية. لقد نجح “أولاد الشعب” بإمكانياتهم الذاتية وبدعم الشركاء الدوليين في فك العزلة، وجلب الماء الشروب، وتنوير الأزقة، مقدمين دروساً مجانية في “التدبير الاستباقي” عجزت عن استيعابها نخب ربطات العنق والمكاتب المكيفة. والمفارقة المخجلة اليوم، هي أن يأتي فاعل منتخب بعد كل هذه العقود ليتباهى باتفاقية تجارية جاهزة، متناسياً أن التنمية الحقيقية في هذه المدينة هندستها سواعد الجمعويين في وقت كان فيه العمل الجماعي مجرد توزيع للمنافع والامتيازات الضيقة.
وفي الختام، تذكرتُ ما كتبه صديقي على صفحته وهو يتأمل حال المدينة بكثير من الحسرة:”لقد أفسد بعض السياسيين في أولاد تايمة الرياضة، والثقافة، والفن، وكل شيء جميل حشروا أنوفهم فيه!”.. واليوم، وأنا أتابع فصول هذه المسرحية الهزلية في الدورة الاستثنائية، والمزايدات الفارغة حول قطرة ماء، أجدني مجبراً على تصحيح مقولة صديقي لأقول له: بل أفسدوا السياسة قَبلاً يا صديقي العزيز! أفسدوها عندما حوّلوا الواجب إلى مَزيّة، والبديهيات التنموية إلى بطولات وهمية، والكرامة الإنسانية إلى حلبة صراع وتصفية حسابات ضيقة. إن ساكنة أولاد تايمة التي روت عطشها بسواعد جمعياتها الحقيقية في التسعينيات، لم تعد تنطلي عليها هذه البهرجة الاستعراضية؛ فالمجلس الحالي والسابق والأسبق مطالبون بالخجل من تأخرٍ دام عقوداً، لا بانتظار تصفيقٍ لن يأتي من حناجر جفّت من العطش والانتظار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News