سوق الجملة بأولاد تايمة: معركة “المكياج السياسي” وصراع الكواليس المنسية

kapress22 يوليو 2026Last Update :
سوق الجملة بأولاد تايمة: معركة “المكياج السياسي” وصراع الكواليس المنسية

محمد مفتاح
رالي قبل الصافرة: الفيسبوك الهواري يتحول إلى حلبة صراع مبكر
انطلق الرالي الانتخابي في أولاد تايمة قبل الموعد وبلا صافرة حكم، لتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى حلبة مفتوحة للتراشق السياسي المحموم. هذا السعار الرقمي المفاجئ لم يأتِ من فراغ، بل فجرته “صفقة تهيئة سوق الجملة للخضر والفواكه”، الملف الدسم الذي تحول فجأة من مشروع اقتصادي ينتظره الفلاح والتاجر، إلى وقود حيوي لتغذية ماكينات البروباغندا الحزبية وتصفية الحسابات الضيقة.
على صفحات “الفيسبوك الأزرق”، يعيش الشارع الهواري على إيقاع استعراضات خطابية وبيانات مضادة لا تنتهي؛ حيث انقسمت الجبهات الرقمية بين معسكرين: معسكر المدافعين الذي يحاول تسويق الصفقة كإنجاز تاريخي لا مثيل له تلميعاً لصورة الأغلبية، ومعسكر المعارضين الذي يمارس طقوس “البكاء على الأطلال” مشهراً أوراق التشكيك والاتهامات. المثير للسخرية هو تلك “الموسمية الفاضحة”؛ فجأة تذكر الجميع الغيرة على المصلحة العامة، والهدف الحقيقي واحد: حجز مقعد متقدم في قطار الانتخابات القادمة.
إرث الوجع التنموي: عقود من سياسة “ليّ اليد” وتجميد الزمن
هذا السعار الرقمي المحموم ليس وليد اليوم، بل هو مجرد فصل جديد من كتاب قديم يمتد لثلاثة عقود. إن تفكيك الجذور التاريخية للصراع السياسي في أولاد تايمة يكشف أن التنمية بالمدينة ظلت دائماً رهينة لسياسة “ليّ اليد” بين الأغلبية والمعارضة منذ تسعينيات القرن الماضي.
إذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء، سنجد أن الأزمة الهيكلية بدأت تتضح معالمها مع مجلس الحركة الشعبية بقيادة محمد ضباش؛ آنذاك، ظهرت هندسة فعلية ورؤية لبعض المشاريع، لكن العجلة توقفت بفعل معارضة شرسة فضلت “بلوكاج” المدينة على نجاح الخصم، لتدخل هوارة في “سنوات عجاف”. ولم تبدأ هذه العجلة في الدوران المحتشم إلا مع مجلس التحالف بين التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، قبل أن ينتقل التدبير بالكامل إلى مجلس العدالة والتنمية برئاسة عبد الغني الليمون، حيث جرت محاولات لإخراج المشاريع المتبقية، لكنها سقطت في فخ “تلميع الواجهات الرئيسية”؛ فبينما كانت الشوارع الكبرى تُزين لاستعراض الإنجازات، كانت الأحياء العميقة تُترك لمصيرها.
خلف الستار البراق: جزر معزولة في صحراء التهميش
وهنا تتجلى المفارقة الصارخة التي تكشف زيف هذا الضجيج؛ فبينما تشتعل الحروب الكلامية حول صفقات التهيئة وتلميع المداخل الرئيسية للمدينة، تقبع الأحياء العميقة والأهالي في تهميش موغل في القدم. إن التركيز المبالغ فيه على تزيين الواجهات يثير تساؤلاً مشروعاً: هل كُتب على أحياء ذات كثافة سكانية وتاريخية مثل الشليوات، الرطيم، الشنينات، والحريشة أن تظل مجرد جزر معزولة وخارج حدود الجغرافيا الحضرية؟
إن واقع الحال في هذه التجمعات السكنية يغني عن كل خطاب؛ إذ يكفي أن تبتعد ببضع مئات من الأمتار عن الشارع الرئيسي البراق لتميط اللثام عن حقيقة صادمة: بنية تحتية متهالكة، طرقات تتحول مع أولى قطرات المطر إلى أوحال، نقص حاد في قنوات الصرف الصحي، وغياب شبه تام للمرافق السوسيو-ثقافية وملاعب القرب. هذا الإقصاء يجعلها تبدو أشبه بـ “غابات أو صحاري بعيدة”، لا يتذكرها الفاعلون السياسيون إلا كخزان انتخابي وفير يسهل استغلاله عند اقتراب موعد صناديق الاقتراع.
إلى متى يبقى المواطن الهواري “كومبارس” في مسرحية الواجهات؟
إن صفقة سوق الجملة، وما يرافقها اليوم من ضجيج رقمي، ليست إلا حلقة جديدة من مسلسل قديم سئم الشارع الهواري متابعته. فمنذ التسعينيات، لا تزال التنمية تدفع ضريبة “العقم السياسي”، بينما تظل الأحياء الهامشية تدفع الفاتورة الحقيقية من كرامة عيشها اليومي.
الآن، وأمام هذا الرالي الانتخابي السابق لأوانه، يجد المواطن الهواري نفسه أمام لحظة الحقيقة؛ فلم يعد مقبولاً الاستمرار في لعب دور “المتفرج” في مسرحية تُطبخ كواليسها في الصالونات وتُعرض في الفضاء الأزرق. لقد حان الوقت لكسر هذه الحلقة عبر فرض نقاش حقيقي حول “العدالة المجالية”، وتحويل مشاريع المدينة إلى تعاقدات واضحة بالأرقام والآجال قابلة للمحاسبة. إن العيد لا ينتهي بكنس عتبة الباب وترك البيت غارقاً في فوضاه؛ ومدينتنا لن تنهض ما دامت نخبتها تتعامل مع التنمية كـ “مكياج موسمّي” يزول بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News