هوارة 2026: خريطة “الرقمنة الملعونة” وهندسة المقاعد البرلمانية في زمن “المؤثرين الجدد

kapress5 ساعات agoLast Update :
هوارة 2026: خريطة “الرقمنة الملعونة” وهندسة المقاعد البرلمانية في زمن “المؤثرين الجدد

بقلم : محمد مفتاح

يتداول العامة في مقاهي أولاد تايمة وعلى صفحات فيسبوك العبارات التقليدية ذاتها حول حصيلة التدبير أو وعود مواسم جني الأصوات. لكن هذه اللغة المستهلكة لم تعد تقارب العمق الحقيقي للمطبخ السياسي الكواليسي بمنطقة هوارة وإقليم تارودانت ككل. إن التحضير للانتخابات التشريعية البرلمانية المقررة في 23 سبتمبر 2026 لا يُدار بعقليات “الزوايا السياسية” القديمة، بل بآليات هجينة تمزج بين النفوذ المالي والذكاء الرقمي الموجه لتأمين مقعد تحت قبة البرلمان بالرباط، وهو ما غفلت عنه المعارضة المحلية التي ما زالت تمارس السياسة بـ “أدوات ورقية” في زمن البث المباشر.
تتجاوز هذه القراءة السرديات المستهلكة لتفكك ثلاث قضايا غير مرئية تُشكل الرهانات البرلمانية الحقيقية للمرحلة المقبلة في دائرة هوارة.
أولاً: السوشيال ميديا وصناعة “البرلماني الافتراضي”.. سقوط قلاع الأيديولوجيا
لعقود طويلة، كان المسار الكلاسيكي للوصول إلى البرلمان عبر دائرة تارودانت يمر حتماً عبر التعبئة الحزبية التقليدية، والمهرجانات الخطابية الحاشدة، وشبكات الأعيان الفلاحيين. اليوم، يحدث انقلاب صامت في البنية السوسيولوجية للمنطقة؛ فالناخب الشاب في هوارة لم يعد يتعرف على قادة الأحزاب من خلال المقرات المغلقة التي يعلوها الغبار طيلة خمس سنوات، بل من خلال شاشات الهواتف، التي أعطت الفرصة لظهور “النخب الافتراضية”؛ صُناع المحتوى المحليون، مسيرو المجموعات الفيسبوكية الخدمية، والمؤثرون الرقميون الذين أصبحوا يملكون قاعدة جماهيرية تتجاوز بكثير القواعد الخلفية لأعرق الأحزاب بالمنطقة. هؤلاء المؤثرون لا يملكون فكراً سياسياً، لكنهم يملكون “النقرات” (Clicks) والتأثير المباشر على توجيه أصوات الكتلة الناخبة الشابة.
وبدل أن تبحث المعارضة عن كفاءات قادرة على التشريع ومراقبة العمل الحكومي، أصبحت كواليس التنافس الحزبي السري بهوارة تركز على “استقطاب” هؤلاء المؤثرين الرقميين أو خطب ودهم لدعم اللائحة التشريعية. إننا أمام تشويه بنيوي لمفهوم “تجديد النخب البرلمانية”، حيث يتم استبدال “الكفاءة السياسية والفكرية” بـ “النجومية الرقمية”، حيث أصبح الرهان هو جلب برلماني يتقن حصد “اللايكات” بدل حصد المكاسب التنموية للمنطقة تحت قبة البرلمان.
ثانياً: حروب “الذباب الإلكتروني” ومصيدة التخدير البرلماني
يعتقد المواطن البسيط في هوارة أن النقاشات الساخنة في المجموعات المحلية هي تعبير عفوّي عن غضب الساكنة من أداء نوابها في البرلمان. الحقيقة السياسية الأكثر خبثاً هي أن الفضاء الرقمي لأولاد تايمة أصبح محكوماً بـ “البرمجيات” والصفحات المستعارة الممولة إعلانياً (Sponsored) التي تديرها جهات نافذة لتوجيه الرأي العام وضمان بقاء المقاعد التشريعية في يد نفس الجهات.
لقد طورت الكائنات السياسية أدواتها؛ فلم تعد تعتمد على “سماسرة الانتخابات” في الأحياء الهامشية فقط، بل أنشأت “غرف عمليات رقمية” مصغرة تعمل على طريقتين:

  1. شيطنة أي بديل: عبر إغراق المجموعات المحلية بتدوينات تسخر من تحركات مرشحي المعارضة للبرلمان، وتُظهرهم في مظهر “مقتنصي الفرص” العاجزين عن مواجهة الآلة الانتخابية الكبرى.
  2. التخدير بالإنجازات الوهمية: بتضخيم أسئلة كتابية روتينية يطرحها نواب المنطقة في البرلمان، وتصديرها كـ “معارك بطولية” أو الترويج لوعود إدخال تعديلات على مشاريع القوانين كأنها فتح تنموي مبين، لغسل أدمغة الناخبين وتبرير غياب النواب عن الميدان طوال الولاية التشريعية.
    المعارضة بهوارة تقف عاجزة تماماً أمام هذه الهندسة الرقمية؛ فهي ما زالت تعتمد على بيانات تنديدية بلغة خشبية طويلة لا يقرأها جيل “الريلز” (Reels) والـ 15 ثانية، مما يجعلها تخسر المعركة البرلمانية افتراضياً قبل أن تبدأ واقعياً في صناديق الاقتراع.
    ثالثاً: تحالف “المال الفلاحي” والواجهات الشابة.. اللعبة الخفية للمقاعد المريحة
    تتميز منطقة هوارة بخصوصية اقتصادية فريدة تكمن في ثقل كبار ملاكي ضيعات الحمضيات والخضروات والمصدرين. لطالما كان هذا الرأسمال الفلاحي الضخم هو المحرك الخفي والممول الرئيسي للوصول إلى مقاعد البرلمان في الإقليم؛ فهو الذي يوجه آلاف العمال الزراعيين للتصويت لجهة معينة ككتلة ناخبة مضمونة النتائج.
    الجديد في كواليس التحضير لانتخابات سبتمبر 2026 هو محاولة هذا “الرأسمال الفلاحي التقليدي” التخفي وراء “غطاء شبابي تكنوقراطي”. لم يعد مقبولاً للرأي العام الوطني والمحلي أن يترشح كبار الأعيان ذوي التعليم المحدود في مقدمة اللوائح التشريعية، خاصة مع تشديد القوانين البرلمانية وضغوط السوشيال ميديا. لذا، يتم حالياً هندسة صفقة جديدة في الكواليس: الأعيان يوفرون الدعم المالي واللوجيستي والعمالي الكامل، مقابل دفع وجوه شابة بشواهد عليا كـ “واجهة ديمقراطية” لتمثيل الدائرة في البرلمان.
    هذه اللعبة تجعل مفهوم “تجديد النخب” مجرد واجهة براقة لـ “استمرار نفس المصالح الاقتصادية”. فالنائب البرلماني الشاب الذي ستدفعه هذه الآلات السياسية إلى الرباط، سيبقى رهيناً للجهة الفلاحية النافذة التي مولت حملته ووفرت له الأصوات، لتستمر القوانين والتشريعات في خدمة “لوبي” فلاحي محدد، بينما تظل هوارة تعاني من غياب الاستثمارات الصناعية البديلة وغياب فرص الشغل الحقيقية لشبابها خارج أسوار الضيعات.
    الخلاصة: السخرية كآلية للمقاومة.. وصناديق سبتمبر الفاصلة
    إن التهكم والسخرية اللاذعة التي تقابل بها الساكنة تحركات مرشحي البرلمان اليوم على السوشيال ميديا ليست مجرد تسلية رقمية، بل هي “السلاح المتبقي” للمواطن الهواري لتعرية هذا المشهد العبثي.
    إذا استمرت قوى المعارضة في اجترار نفس السرديات المستهلكة، وعجزت عن فهم أن المقعد البرلماني لعام 2026 يُطبخ في الفضاءات السيبرانية بذكاء تكنولوجي وتمويل مالي هجين، فإنها لن تحصد سوى الخيبة. ستظل “الدينصورات” تتحكم في خيوط اللعبة من وراء الستار، ممسكة بـ “الدمى الشابة” الجديدة، ليبقى تمثيل هوارة في البرلمان مجرد رقم في الأغلبية أو المعارضة بالرباط كما كان دائما، دون أي أثر تنموي حقيقي على أرض الواقع بأولاد تايمة.
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News