بقلم : محمد مفتاح
لم يعد الحديث عن عطالة الشباب في منطقة هوارة، وتحديداً بحاضرتها أولاد تايمة، مجرد ترف فكري أو رقم إحصائي جاف تؤثث به التقارير الموسمية، بل تحول إلى نزيف اجتماعي صامت يهدد بخلخلة السلم المجتمعي لقطب فلاحي كان إلى عهد قريب يُصنف شرياناً مغذياً للاقتصاد الوطني.
إن الجلوس على كراسي المقاهي المحلية لم يعد خياراً للاستراحة، بل بات مهنة قسرية لجيل كامل من حاملي الشهادات والكفاءات المعطلة، الذين يرقبون بحسرة انسداد الأفق الإقليمي وتأخر الإقلاع الاقتصادي الحقيقي.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة ودخول المنطقة مرحلة انتدابية جديدة، يجد الفاعلون السياسيون وصناع القرار المحليون أنفسهم أمام امتحان مصيري لا يقبل أنصاف الحلول، حيث لم تعد الوعود الانتخابية التقليدية القائمة على مساحيق التجميل العمرانية قادرة على إطفاء غضب شارع هواري يغلي طموحاً وينفجر إحباطاً.
إن التحدي الأكبر الذي سينتصب أمام الولاية الانتدابية المقبلة يكمن في فك الارتباط البنيوي والمصيري للاقتصاد المحلي عن تقلبات الطقس والقطاع الفلاحي المعيشي؛ فمن غير المقبول أن يظل مصير آلاف الأسر الهوارية رهيناً بالتساقطات المطرية ومواسم الجني المؤقتة، في وقت تستنزف فيه أزمة الجفاف المستمرة ما تبقى من رصيد الشغل بالمنطقة.
سيكون على النخبة التدبيرية القادمة التوقف فوراً عن ممارسة دور المتفرج، والقطع مع عقلية التسيير اليومي الضيق، والعبور بالمنطقة نحو جرأة الاستثمار الاستراتيجي الجاذب لرؤوس الأموال. ويشكل تسريع إخراج وتفعيل مناطق الأنشطة الاقتصادية والصناعية الحقيقية أولى المعارك التي يجب خوضها بشراسة، لخلق بدائل تشغيلية مستدامة تمتص هذه الطاقات الهائلة وتمنحها الكرامة الاقتصادية داخل أرضها، عوض تركها لقمة سائغة لخيار الهجرة السرية أو النزوح الجماعي نحو الحواضر الكبرى.
ولتحقيق هذا الانتقال، يتعين على صناع القرار في المرحلة المقبلة تبني مشاريع بديلة ومبتكرة تنبع من خصوصية المنطقة الجغرافية والاقتصادية ولا تقطع معها؛ إذ حان الوقت للانتقال من “الفلاحة الخام” إلى صناعات تحويلية غذائية تثمن المنتجات المحلية؛ كإحداث وحدات لإنتاج العصائر والمصبرات، واستخلاص الزيوت العطرية، وتحويل مخلفات الضيعات إلى أسمدة عضوية وأعلاف. كما أن موقع أولاد تايمة الاستراتيجي كحلقة وصل إقليمية يفرض استثماره في إقامة منصات لوجستية كبرى للشحن والتبريد وتوطين صناعات التلفيف الذكي، فضلاً عن فتح الباب أمام الاقتصاد الأخضر عبر مقاولات شبابية متخصصة في تقنيات الضيعات الذكية، كتركيب وصيانة أنظمة الضخ الشمسي، ومعالجة المياه، وإدماج التكنولوجيا الرقمية من خلال خدمات الدرون والاستشارات الفلاحية عن بُعد.
لم يعد الشباب الهواري مستعداً لمنح شيك على بياض لأي مجلس جماعي أو إقليمي لا يضع معضلة البطالة في مقدمة أولوياته البيانية والعملية، من خلال ابتكار آليات دعم ملموسة للمقاولات الناشئة وملائمة مسالك التكوين المهني مع حاجيات الإقليم.
إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة لا يرتبط بحجم الميزانيات المرصودة بقدر ما يرتبط بمدى توفر الإرادة السياسية والكفاءة التدبيرية لإنقاذ جيل يرى في مستقبله ضباباً.
لقد حان الوقت لكي تقطع هوارة مع دورها الكلاسيكي كخزان لليد العاملة الموسمية الضعيفة. إن نجاح الهياكل المنتخبة الجديدة رهين بمدى شجاعتها في تبني هذا التحول الاقتصادي الشامل، لضمان استقرار الساكنة وتحقيق الكرامة التنموية التي طال انتظارها.























