شكلت المحطة الانتخابية الأخيرة بإقليم تارودانت، وحاضرة منطقة هوارة، نموذجاً متميزاً في تدبير الاستحقاقات الوطنية؛ حيث حظيت هذه العملية بإشادة واسعة بفضل التعبئة الرفيعة والأداء المتبصر للمصالح الأمنية والسلطات المحلية.
وقد تجسد هذا المجهود الاستثنائي في توفير بيئة اقتراع آمنة وسلسة، نأَت بالمسار الانتخابي عن أي تشويش أو خروقات جوهرية، مما أسهم بشكل جلي في صون الإرادة الحرة للمواطنين، وترسيخ مقومات الشفافية والمسؤولية في البناء الديمقراطي للمنطقة.
ولم تكن هذه الأجواء الإيجابية وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة لإرادة حقيقية وعميقة من لدن المؤسسات الأمنية والإدارية بالإقليم، والتي أرست توجهاً جديداً يقطع بصفة نهائية مع ممارسات الماضي.
وقد تجلى هذا النهج المتبصر في تكريس مبدأ الحياد التام والمسؤول لرجالات السلطة المحلية والأجهزة الأمنية على حد سواء؛ حيث وُضعت مسافة واحدة من جميع الفرقاء السياسيين.
وتأكيداً على هذه الصرامة في تطبيق القانون، تم تفعيل المقاربة القضائية بشكل فوري، إذ جرى توجيه وإحالة كافة المشتكين والمتضررين من أي تجاوزات مفترضة إلى السيد وكيل جلالة الملك مباشرة، في خطوة كرست سيادة القانون وجعلت من القضاء الحَكَم والفيصل في صون سلامة الصندوق.
وفي مقابل هذه الإرادة التحديثية الصارمة للسلطات الإدارية والأمنية، كشفت المحطة الانتخابية عن مفارقة حادة تجسدت في سلوك بعض الهيئات الحزبية، التي بدت وكأنها ما زالت تعيش تدبيرها الانتخابي في “زمن الشموع” البائد.
فلم تفلح هذه الأطراف في الارتقاء بممارساتها السياسية لتواكب راهنية الظرفية الوطنية ونضجها الديمقراطي؛ وهو ما ظهر بجلاء في الأحداث والتحركات التقليدية التي طالت فضاءات بعض مراكز التصويت، ولا سيما داخل مدرسة الصفاء ومدرسة بدر وعلى محيطهما الخارجي.
إن تلك السلوكيات والتجاوزات غير المسؤولة داخل قاعات الاقتراع وخارجها أعادت إلى الأذهان أساليب متهالكة في التجييش والتشويش، مما وضع تلك الممارسات في تضاد صارخ مع التوجه الجديد والمستنير للمؤسسات، والذي يبتغي تكريس الشفافية وقطع الطريق أمام عقلية الماضي التي تعيق مسار التغيير الحقيقي.
ومع الانتقال إلى المرحلة الحرجّة من يوم الاقتراع، سُجلت واقعة تنظيمة تمثلت في منع بعض المراقبين والملاحظين المستقلين من حضور انطلاقة عملية فرز الأصوات.
غير أن هذا الإشكال لم يدم طويلاً بفضل اليقظة المؤسساتية؛ حيث كان التدخل الحاسم والفوري للسيد عامل الإقليم بمثابة صمام أمان لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني.
وتفاعلاً مع هذه التوجيهات الصارمة، سارع السيد باشا المدينة إلى إصدار أوامره المباشرة بتمكين الملاحظين من ولوج المكاتب ومتابعة مجريات الفرز عن قرب وبكل حرية.
هذا التناغم والسرعة في التعاطي مع الموقف لم يعكسا فقط الحرص على احترام المقتضيات القانونية المنظمة للمراقبة الانتخابية، بل جسدا أيضاً الالتزام الأخلاقي للسلطات بضمان تكافؤ فرص حقيقي ومكشوف لجميع الشركاء.
تأسيسًا على ما سبق، فإن النجاح الذي طبع هذه المحطة التاريخية بإقليم تارودانت ومنطقة هوارة لم يكن ليتحقق لولا تلك المجهودات الجبارة والتضحيات الدؤوبة التي بذلتها الأجهزة الأمنية والإدارية بكافة تلويناتها.
فبالرغم من الشساعة الجغرافية البالغة للإقليم، وتضاريسه المعقدة، وتفرع حواضره وقراه، إلا أن يقظة هذه المؤسسات واحترافيتها العالية مكنتا من بسط تغطية أمنية وتنظيمية محكمة شملت كل نقطة اقتراع.
إن هذه التجربة النموذجية تؤكد بالملموس أن تلاحم السلطات الإقليمية والمحلية والأمنية، وسمو وعيها بالمسؤولية الوطنية، يشكلان الدعامة الأساسية لتحصين المكتسبات الديمقراطية، ويكرسان صورة الإقليم كمنارة للالتزام بالقانون والشفافية في ظل دولة الحق والمؤسسات.























