فوضى أولاد تايمة.. هل تقربنا من “النظام” أم تُثبّت دعائم العبث؟

kapress18 دقيقة agoLast Update :
فوضى أولاد تايمة.. هل تقربنا من “النظام” أم تُثبّت دعائم العبث؟

بقلم : محمد مفتاح

“كلما عمت الفوضى اقتربنا من النظام”؛ ويقال أيضاً: “إن أقصى درجات الفوضى هي بداية الولادة الحقيقية للنظام”. مقولتان فلسفيتان تختزلان تحولات مجتمعية عميقة؛ فهما تؤصلان لفكـرة أن الحواضر عندما تصل ذروة الاختلال، تعقبها صدمة جماعية تجعل الإصلاح ضرورة حتمية لا خياراً. فمن رحم التخبط، تولد القوانين الصارمة وتنبثق إرادة التغيير.
واليوم، تضعنا الفوضى العارمة التي تشهدها شوارع وأزقة أولاد تايمة أمام هذا الاختبار الفلسفي والواقعي المرير. إن ما يحدث في حاضرة هوارة على المستوى التدبيري والتسييري، بات يثير ذهول وارتياب المواطن؛ وهو يرى مدينته الغنية بمؤهلاتها تتحول إلى مسرح للمرتجل من القرارات، وفي غياب تام لآليات المراقبة والتنظيم. هذا التراجع الملموس في الحكامة الترابية يضعنا أمام سؤال حارق: هل وصلت الفوضى بالمدينة إلى تلك “النقطة الحرجة” التي ستعقبها ثورة إصلاحية تعيد للمدينة هيبتها؟ أم أننا أمام عجز تدبيري مستدام يهدد بإدخال أولاد تايمة نفقاً مظلماً من العشوائية المقننة؟

خناق التدبير: شباب في مهب التهميش والمحسوبية
لعل أول ما يصدم المتابع لشؤون أولاد تايمة، هو أن مظاهر الفوضى المقلقة التي تتخبط فيها المدينة اليوم ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج كبوة تسييرية عابرة، بل هي دوامة من المشاكل المزمنة التي أبت المدينة أن تبرحها على مدار عقود من الزمن. وإذا كان لهذه المشاكل وجه مكشوف، فإن ملف الشباب والرياضة يمثل أكثر تجلياتها قتامة وإجحافاً.
في الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل البنيات السوسيو-ثقافية والرياضية متنفساً حقيقياً للطاقات المحلية، يواجه الشباب الهواري واقعاً مريراً عنوانه الإقصاء الممنهج؛ إذ تحولت دور الشباب المغلقة بالمدينة إلى أطلال شاهدة على شلل التدبير التنموي. أما المراكز النسوية والشبابية وملاعب القرب التي شُيدت بأموال عمومية، فقد سقطت في شرك “المحسوبية والزبونية السياسوية”، حيث باتت الاستفادة من خدماتها رهينة بوجود “وساطة” أو غطاء من بعض المنتخبين، ومَن لا “ظهر” له من الشباب، يصطدم بجدار سميك من الشروط التعجيزية والترسانات القانونية المجحفة التي وضعت خصيصاً لتنفيره وتثبيط عزيمته. هذا الخناق التدبيري المفروض لم يترك للشباب من خيار سوى الارتماء في أحضان الأزقة والشوارع؛ وهو ما أدخل حاضرة هوارة في دوامة تنذر بـظواهر اجتماعية خطيرة، من تنامي رقعة الانحراف وتفشي الجريمة والمخدرات.

الشرايين المستباحة: أرصفة مخنوقة وسير عشوائي
ومن قنابل الإحباط الاجتماعي في الأزقة، ننتقل إلى واجهة المدينة وشرايينها الرئيسية التي باتت تعيش تفاصيل “سكتة قلبية” غير معلنة؛ والمتمثلة في ملف احتلال الملك العمومي وعشوائية السير والجولان. لقد تحولت أرطفة وشوارع أولاد تايمة إلى مساحات مستباحة وخاضعة لمنطق “قانون وضع اليد”، حيث تمدد جشع بعض أرباب المقاهي والتجار والباعة المتجولين ليصادروا حق الراجلين في ممر آمن، واضعين المواطن بين مطرقة المغامرة بالسير وسط قارعة الطريق، وسندان حوادث السير المتربصة به عند كل خطوة.
هذه الفوضى فوق الرصيف انتقلت بعدواها سريعاً إلى حركة السير والعبور؛ في ظل غياب مخطط مديري واضح للنقل والتنقلات الحضرية، تائهةً بين لافتات تشوير مهترئة، واحتلال عشوائي لمركن السيارات، وانتشار واسع لوسائل نقل غير مدمجة، مما جعل الجولان في مركز المدينة أشبه بمتاهة يومية تستنزف أعصاب السائقين والراجلين على حد سواء. وأمام هذا المشهد الفوضوي العارم، يقف المتابع متسائلاً عن جدوى حملات التحرير “الموسمية” والمحتشمة التي تقودها السلطات المحلية والمجلس الجماعي، والتي سرعان ما ينطفئ بريقها وتعود الأمور إلى سابق عهدها، وكأن هناك تزكية ضمنية لاستمرار هذا العبث الهيكلي الذي يخدش جمالية حاضرة هوارة ويجهض أي أمل في تنظيمها.

القلب النابض في الظلام: معاناة الأحياء الهامشية
ولم تتوقف عجلة العشوائية عند اختناق الشوارع، بل امتدت لتطال الوضع البيئي والبنية التحتية، متخذةً طابعاً أكثر قسوة وإجحافاً في الأحياء الهامشية للمدينة مثل الحريشة، بوخريص، الشراردة، والشلوات. المفارقة الصارخة هنا تكمن في أن هذه الأحياء تستقطب الغالبية العظمى من الساكنة، وتشكل القلب النابض لليد العاملة بالمنطقة، ومع ذلك، يقابل هذا الثقل الديموغرافي والاقتصادي بتهميش وإقصاء تدبيري غير مبرر؛ حيث يشتكي القاطنون هناك من “مزاجية” واضحة في عمل عمال جمع النفايات، الذين يشتغلون في غياب تام للمراقبة والحسيب أو الرقيب، مما يحول الفضاءات السكنية إلى بؤر بيئية سوداء.
هذا التدهور البيئي يتكامل مع ضعف حاد في الإنارة العمومية، مما يغرق هذه الأحياء في ظلام دامس يضاعف معاناة فئة العمال والشغيلة الذين يضطرون للنهوض والخروج للعمل في أوقات مبكرة من الفجر؛ لتتحول رحلتهم اليومية لطلب الرزق إلى مغامرة حقيقية محفوفة بالمخاطر، لاسيما مع الانتشار المخيف للكلاب الضالة التي باتت تفرض حظر تجوال غير معلن، وتهدد سلامة المواطنين الجسدية. إن هذا الواقع المتردي يجسد ذروة “المفارقة التدبيرية” في حاضرة هوارة؛ حيث تُترك القوة الحية للمدينة تواجه الظلام والنفايات والكلاب، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون هذه الأحياء على رأس أولويات أي مخطط تنموي حقيقي.

لحظة المكاشفة: أنت المسؤول عزيزي المواطن!
لكن، وأمام هذا التشخيص القاتم، يستوجب الواجب المهني والمكاشفة الصريحة التوقف عند المسؤول الحقيقي والشريك الخفي في هذه المآسي؛ إنه أنت عزيزي المواطن الهواري. فالمعادلة الفلسفية التي انطلقنا منها لن تجد طريقها للتطبيق على أرض واقع أولاد تايمة، ما دامت الشريحة الأوسع من الساكنة قد تخلت عن واجبها الدستوري والتحقت بصفوف المتفرجين، أو وافقت بوعي أو بدون وعي على أن “تُلدغ من الجحر ذاته مرات ومرات” لا مرتين فقط. إن التغيير الذي تنشده للمدينة ليس ترفاً، بل هو واجب وطني وأخلاقي يبدأ من وراء عازل صناديق الاقتراع؛ وهو الواجب الذي تم إجهاضه على مدار عقود بسبب الاستسلام للنزعة القبلية الضيقة، والاندفاع العاطفي المحكوم بالقرابة العائلية بعيداً عن منطق الكفاءة والمشاريع التنموية الحقيقية.
وفي المقابل، فإن اختيار “الامتناع” والهروب إلى الخلف بداعي اليأس أو المقاطعة، لم يكن يوماً حلاً، بل شكّل خدمة مجانية سمحت لـ”الماكينة الانتخابية الكلاسيكية” بأن تواصل دورانها المعتاد، مستغلةً الفراغ لتُعيد في كل محطة تدوير نفس الوجوه والأسماء، مع تغيير طفيف في المواقع والمناصب فقط. إن الفوضى التدبيرية التي تشتكي منها اليوم في شوارع وأحياء أولاد تايمة، ما هي في العمق إلا النتيجة الطبيعية لخذلان الواجب الانتخابي والتنازل عن الحق في اختيار النخب؛ فالأوطان والمدن لا تُبنى بـ”النحيب على مواقع التواصل الاجتماعي”، بل بالإرادة الواعية والمشاركة الإيجابية التي تفرض التغيير وتضخ دماءً جديدة قادرة على إحداث القطيعة مع هذا العبث المزمن.

من اللغو الرقمي إلى الفعل الميداني
وفي الختام، نعود إلى معادلتنا الفلسفية الأولى لنؤكد أن الفوضى لن تلد النظام تلقائياً في أولاد تايمة ما لم تتغير القواعد التي نصنع بها هذا الواقع. فالمنتخبون والمسيرون لم يهبطوا من السماء، بل نحن من نصنعهم بأيدينا، ونحن — وبقوة القانون والوعي — من يملك الحق الأصيل في محاسبتهم، بل وعزلهم إن هم أخلوا بالأمانة.
لذلك، فقد حان الوقت عزيزي المواطن الهواري لكي نضع اليد في اليد، وننتقل برأينا ومواقفنا من خانة اللغو الرقمي والشكاوى العابرة خلف الشاشات، إلى فضاء الفعل والمسؤولية الحقيقية على أرض الواقع. إن إصلاح حاضرة هوارة وإنقاذها من دوامة العشوائية المزمنة ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب منا أولاً أن نكون على قدر الأمانة تجاه مدينتنا؛ فالتغيير يبدأ من تغيير سلوكنا وعقلية اختيارنا، وعندها فقط، ستتحول هذه الفوضى العارمة إلى مخاض حقيقي لولادة نظام دائم يرفع شأن أولاد تايمة ويعيد لها الهيبة التي تستحقها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News