بين وهم “العالمية” وصدمة الواقع: متى ينضج الإعلام الرياضي العربي؟

kapressدقيقتان agoLast Update :
بين وهم “العالمية” وصدمة الواقع: متى ينضج الإعلام الرياضي العربي؟

محمد مفتاح
لم تعد مباريات كرة القدم في عالمنا العربي مجرد تسعين دقيقة تنافسية داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت، بفعل فاعل، إلى ساحات للمعارك الدونكيشوتية التي تقودها أقلام ومنصات إعلامية أدمنت صناعة الوهم. هذه الظاهرة المتمثلة في “النفخ” المبالغ فيه للمنتخبات الوطنية عند أول انتصار عابر، أصبحت تشكل العائق الأول أمام أي مشروع حقيقي للبناء الرياضي المستدام، حيث استبدل التحليل الفني الجاد بـ”ضوضاء المقارنات والمعاندة” مع الجيران والمنافسين.
إن المتأمل في الخطاب الإعلامي الرياضي العربي يلحظ بسهولة طغيان العاطفة الجياشة على لغة التحليل المنطقي. بمجرد تحقيق فوز في مباراة ودية أو تجاوز دور المجموعات في بطولة إقليمية، تنطلق آلة البروباغندا لتوزيع ألقاب “العالمية” وصكوك العبقرية التكتيكية على اللاعبين والمدربين. هذا الأسلوب لا يعكس شغفاً باللعبة بقدر ما يعكس رغبة في دغدغة مشاعر الجماهير الباحثة عن انتصار معنوي، ولو كان زائفاً، مما يُفقد الشارع الرياضي بوصلة التقييم الحقيقي.
خطورة هذا اللغط الإعلامي لا تقتصر على تزييف الوعي الكروي للمشجع، بل تمتد لتخلق ضغطاً نفسياً رهيباً على منظومة المنتخبات نفسها. فعندمان يوضع فريق في خانة “الذي لا يُقهر” بناءً على معطيات واهية، تصبح صدمة الواقع حتمية وقاسية عند أول مواجهة مع مدارس كروية تعتمد التخطيط العلمي والهدوء سبيلاً للنجاح. والأدهى من ذلك، أن هذا النفخ الإعلامي يمنح المسؤولين والاتحادات الكروية مبرراً للاسترخاء وإخفاء العيوب الهيكلية لكرتنا المحلية خلف بريق الإنجازات اللحظية والمقارنات الواهية.
ولنا في الساحة الإفريقية شواهد حية بالأرقام على أن قطاف الإنجازات لا يأتي إلا بالانكفاء على الذات، وإصلاح البيت من الداخل، بعيداً عن صخب التراشق الإعلامي:
انظروا إلى التجربة المغربية؛ لم تكن الطفرة المونديالية التاريخية في قطر 2022 والوصول للمركز الرابع عالمياً مجرد مصادفة عابرة، بل جاءت تتويجاً لمشروع مؤسساتي صامت انطلق في غرف التخطيط وأكاديميات التكوين منذ عام 2008. هذا الاشتغال المعمق على الذات خلق منظومة مستدامة لا تتوقف عند جيل واحد؛ ففي أكتوبر 2025، صدمت الكرة المغربية العالم مجدداً بتتويج منتخبها تحت 20 سنة بطلاً لكأس العالم في تشيلي، بعد مسيرة مذهلة أقصى فيها عمالقة اللعبة مثل إسبانيا، والبرازيل، وفرنسا، قبل الفوز في النهائي على الأرجنتين بثنائية نظيفة. هذا الإنجاز التاريخي كأول منتخب عربي يرفع هذا اللقب العالمي يُثبت بالأرقام أن البناء الداخلي هو الضمانة الوحيدة للاستمرارية.
وانظروا في المقابل إلى منتخب كوت ديفوار؛ كيف صنع من رماد الانكسار مجداً قارياً وعالمياً، فقط لأنه ملك شجاعة النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ. فبعد الهزيمة الكارثية بنتيجة (4-0) في دور المجموعات لكأس أمم إفريقيا 2024، لم تبحث المنظومة عن أعذار واهية، بل اتخذت قراراً شجاعاً بإقالة المدير الفني وسط البطولة وتكليف المدرب الوطني “إيميرس فاي”. هذه “المرونة النفسية” وإعادة ترتيب الصفوف قادتهم ليس فقط للتتويج باللقب القاري من حافة الإقصاء، بل امتدت لتثمر حملة تصفيات مثالية حصدوا فيها 26 نقطة وتأهلوا رسمياً في أكتوبر 2025 إلى نهائيات كأس العالم 2026 بشباك نظيفة طوال الجولات الأخيرة، ليعودوا لافتتاح المونديال الحالي بقوة.
هذه هي النماذج التي يجب أن تشغل أقلامنا في غرف الأخبار والمنصات الرياضية العربية: نماذج العمل، والخطط، والصبر، والاعتراف بالخطأ، بدلاً من استهلاك الحبر والوقت في مقارنات عقيمة ومناوشات إعلامية لا تسمن ولا تغني من جوع كروي. لقد آن الأوان للأقلام الإعلامية العربية أن تتوقف عن بيع الأوهام، ونحتاج اليوم إلى إعلام يملك شجاعة النقد الكروي البنّاء الذي يحلل الأرقام والخطط، ويسلط الضوء على فجوات التكوين والبنية التحتية، بدلاً من النفخ في بالونات سرعان ما تنفجر عند أول اختبار حقيقي. الكلمة مسؤولية، والمسؤولية تقتضي رصد الواقع كما هو، لا كما تصوره الأمنيات.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News