أزمة المحروقات وسعار الحقائب: هل تحولت محطات الوقود إلى منصات للابتزاز السياسي؟

kapress15 دقيقة agoLast Update :
أزمة المحروقات وسعار الحقائب: هل تحولت محطات الوقود إلى منصات للابتزاز السياسي؟

بقلم : محمد مفتاح

    مع دقات الساعة الأولى لفاتح أكتوبر، لم يكن المواطن المغربي يترقب فقط الدخان الأبيض الذي سيخرج من مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بل باغتته شركات توزيع المحروقات بلهيب زيادة قياسية جديدة تجاوزت فيها أسعار “الغازوال” عتبة الـ16 درهماً. وفي الوقت الذي تسعى فيه التبريرات التقنية المعتادة إلى الاحتماء وراء قفزات بورصة “برنت” والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فإن التوقيت الحرج لهذه الزيادة يطرح ظلالاً كثيفة من الشك السياسي. بين حسابات الربح الاقتصادي وحسابات النفوذ السلطوي، يبدو أن تحريك عدادات المحطات في هذه الظرفية الحساسة يتجاوز منطق السوق ليدخل في منطق “الضغط الخشن”، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل مشروع: هل نحن أمام تقلبات أسعار دولية بريئة، أم أن لوزن المال والشركات كلمة أخرى تُلقى كأوراق ضغط وابتزاز على طاولة المفاوضات لانتزاع حقائب وزارية استراتيجية في الهندسة الحكومية المرتقبة؟

“توقيت مشبوه”.. هل تحركت الأسعار بأمرٍ من السوق أم بـ”تيليكومند” السياسة؟

     لم يكن اختيار فاتح أكتوبر لتحريك عدادات محطات الوقود مجرد مصادفة زمنية بريئة أملتها الظروف التقنية المنصوص عليها في جداول التحيين الدوري، بل جاء كخطوة مدروسة بعناية فائقة تثير الكثير من علامات الاستفهام وتضعنا أمام توقيت سياسي بالغ الحساسية والتعقيد. فبينما كانت الأنظار والتحليلات تتجه صوب الصالونات المغلقة وكواليس العاصمة الرباط لمتابعة الأمتار الأخيرة من مخاض عسير لولادة الهندسة الحكومية الجديدة، جاء لهيب الأسعار ليخلط الأوراق فجأة، ويوجه رسالة مشفرة وشديدة اللهجة من معاقل النفوذ المالي إلى صناع القرار السياسي.
     وتكتسب هذه الخطوة أبعاداً أكثر خطورة بالنظر إلى السياق الحزبي الراهن؛ إذ تأتي هذه الزيادات القياسية في وقت تشير فيه كافة المعطيات والتسريبات إلى أن مؤشرات التشكيل التنفيذي المرتقب تسير عكس ما تشتهيه سفن رئيس الحكومة المنتهية ولايته، عزيز أخنوش، حيث يبدو أن قطار التحالف الحكومي الجديد قد بدأ يبتعد تدريجياً وبشكل متسارع عن محطة حزب التجمع الوطني للأحرار. هذا التراجع المفاجئ في الأسهم السياسية للحزب القائد للأغلبية السابقة، جعل الخطوة تبدو وكأنها رد فعل اقتصادي غير مباشر من شركات التوزيع المهيمنة على السوق الوطنية، والتي تُعدّ المجموعة الاستثمارية لرئيس الحكومة فاعلاً رئيساً فيها.
     إن إشعال فتيل الاحتقان الاجتماعي واستهداف جيوب المواطنين عبر رفع الأسعار من طرف كبريات الشركات في هذه اللحظة الحرجة بالذات، يغذي فرضية وجود “تيليكومند” خفي يُدار عن بُعد بهدف تحويل محطات الوقود إلى غرف ضغط سياسي خشن. الهدف هنا يتجاوز منطق التجارة والربح السريع ليدخل في سياق “الابتزاز المؤسساتي”؛ وهي محاولة صريحة لفرملة مسار إبعاد الحزب، وإجبار أطراف التفاوض على تقديم تنازلات جوهرية تحت طائلة التهديد بالسلم الاجتماعي. إنها عملية توظيف سياسي واضحة لقطاع حيوي، يُراد منها إعادة هندسة المشهد الحكومي القادم قسراً، وتطويع الخارطة السياسية لضمان بقاء النخب المالية في مفاصل القرار الطاقي والاستثماري، حتى وإن كان المقابل هو إحراق القدرة الشرائية للمغاربة.

تفكيك بنية الأسعار.. الاختباء وراء “برنت” لتبرير الجشع المحلي

      وفي الوقت الذي تسارع فيه الجهات الرسمية وشركات التوزيع إلى الاحتماء خلف شماعة التوترات الدولية وتصاعد مؤشرات بورصة النفط، يكشف التفكيك العلمي لبنية الأسعار والمسافة الفاصلة بين السوقين عن رغبة واضحة في تمرير هوامش ربح متضخمة. فبينما يتم الترويج عالمياً لقفزات برميل “برنت” الذي حام حول 100 إلى 103 دولارات نتيجة الاحتقان في الشرق الأوسط، فإن الواقع التقني يؤكد أن المغرب لا يستورد النفط الخام أصلاً، بل يستورد مواد جاهزة ومكررة؛ وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول سرعة وجرأة الزيادة المحلية التي بلغت 80 إلى 85 سنتيماً في لتر الغازوال ليتخطى عتبة 16.10 درهماً، مقارنة بزيادة أخف في البنزين استقرت في حدود 15.50 درهماً.
       بيد أن هذه المنظومة الاحتكارية لم تكن لتجد لها موطئ قدم لولا الاختلالات التشريعية البنيوية؛ وعلى رأسها قانون تحرير أسعار المحروقات المعتمد منذ أواخر سنة 2015، والذي رفع يد الدولة تماماً عن التسقيف ومنح الشركات غطاءً قانونياً تاماً للتحكم في نبض الأسواق بحُرية مطلقة. إن هذه القفزات        الفجائية لا يمكنها أن تختبئ طويلاً وراء تقلبات السوق العالمية؛ بل إن المسؤولية الحقيقية تكمن في غياب أي إرادة سياسية لمراجعة المنظومة الضريبية الثابتة التي تصر الدولة على استخلاصها من جيوب المواطنين، لتتحول في نهاية المطاف إلى طرف مستفيد من الأزمة. وينضاف إلى هذا التواطؤ الصامت، الإصرار المستمر على إبقاء مصفاة “لاسامير” الوطنية معطلة وخارج الخدمة، وهو قرار سياسي بامتياز يخدم بشكل مباشر كبار مستوردي المواد المكررة الجاهزة، ويحرم الاقتصاد الوطني من مظلة حماية استراتيجية كانت كفيلة بتخفيف كلفة الفاتورة الطاقية وتجنيب المغاربة هذا الابتزاز المستمر تحت طائلة تقلبات البورصات العالمية.

زواج المال بالسياسة.. عندما تصبح المصلحة الخاصة حكماً والمنفعة العامة خصماً

      تضعنا هذه الأزمة المتجددة وجهاً لوجه أمام المعضلة الهيكلية الأكبر التي تنخر المشهد العام بالمغرب، والمتمثلة في زواج المال بالسلطة وتداخل النفوذ الاقتصادي بالقرار التنفيذي، وهو التداخل الذي أنتج حالة من التناقض الصارخ بين الخطاب المؤسساتي والواقع المعيش. وفي هذا السياق، يبرز الدور المثير للجدل الذي يلعبه مجلس المنافسة؛ ففي الوقت الذي ينتظر فيه الشارع قرارات ردعية حاسمة تكبح جماح الاحتكار، تخرج التقارير والمذكرات التقييمية للمجلس لتضفي نوعاً من “الشرعية التقنية” على هذه الارتفاعات، مبررةً إياها بأن تطور الأسعار محلياً يتطابق ميكانيكياً مع تقلبات الأسواق الدولية ومؤشرات بورصة المواد المكررة.
     لكن هذا الخطاب التبريري يصطدم على أرض الواقع بوعي شعبي يرى عكس ذلك تماماً؛ فالمواطن المغربي لا يلمس من هذه “المطابقة” سوى السرعة الفائقة في تمرير الزيادات فور ارتفاع الأسعار عالمياً، مقابل تماطل وتأخر شديدين في خفضها عندما تتراجع البورصات العالمية. إن لجوء المؤسسات الرقابية إلى لغة الأرقام الجافة لتبرير خنق جيوب المغاربة يكشف كيف تحولت آليات الحكامة والدستور إلى دروع لحماية المنظومة التجارية السائدة بدلاً من حماية التنافس الشريف وضمان التوازن الاجتماعي.
     إن هذا التماهي الخطير بين المصلحة التجارية الخاصة ومسؤولية تدبير الشأن العام يفرغ مفهوم “الدولة الحامية” من مضمونه. وعندما تصبح التقارير الرسمية أداة لتبرير الأمر الواقع بدلاً من تغييره، يتحول الشارع المغربي إلى حطب لمعارك سياسية واقتصادية ضيقة؛ حيث تُسحق القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفئات الهشة لتأمين أرباح الشركات المتضخمة، وتثبيت نفوذ نخب لا ترى في الأزمة الاقتصادية الخانقة سوى فرصة استثمارية سانحة لتعزيز مواقعها الحزبية وضمان بقائها في هرم الاستوزار الحكومي.

      في المحصلة، إن لهيب أسعار المحروقات الذي يكتوي به المواطن المغربي اليوم ليس مجرد تضخم عابر تفرضه أزمات العرض والطلب في بورصات العالم، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة تتغذى من تزاوج معلن بين النفوذ الاقتصادي والقرار السياسي. وإذا كان توقيت هذه الزيادة الأخيرة يشي بمحاولات توظيف “خشن” لجيوب المغاربة كأوراق ضغط وابتزاز لفرملة مسار إبعاد نخب بعينها عن قطار التحالف الحكومي الجديد، فإن الرسالة الاستشرافية للمستقبل تبدو واضحة ولا تقبل التأويل: إن استقرار السلم الاجتماعي وثقة المواطن في مؤسساته باتا على المحك. ولم يعد مقبولاً أن تظل السياسات العمومية رهينة لمصالح شركات التوزيع وتبريرات التقارير التقنية الجافة. إن الاختبار الحقيقي والرهان الأكبر أمام الحكومة المرتقبة لا يكمن في كيفية توزيع الحقائب والترضيات الحزبية، بل في مدى امتلاكها الشجاعة والجرأة السياسية لفك هذا الارتباط الهجين بين الثروة والسلطة، وإعادة تشغيل مصفاة “لاسامير”، ومراجعة المنظومة الضريبية، لإعادة الاعتبارية لـ”الدولة الحامية” التي تضع كرامة المواطن وقدرته الشرائية فوق كل التوازنات والصفقات الضيقة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News