إذا نجح مسار المنصوري التشاوري: هل يجب أن نُعيد النظر في أدبياتنا السياسية؟

kapressدقيقتان agoLast Update :
إذا نجح مسار المنصوري التشاوري: هل يجب أن نُعيد النظر في أدبياتنا السياسية؟

محمد مفتاح

الجواب هو نعم وبكل تأكيد؛ فإذا تحقق المسار التشاوري الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الأغلبية البرلمانية ومعها الحكومة المرتبطة بانتخابات 2026، فعلينا بجرأة وشجاعة أن نعيد النظر في كل كتبنا السياسية؛ لأننا ببساطة سنكون أمام مرحلة فارقة ومفصلية في التاريخ السياسي المغربي المعاصر. إن نجاح هذا المسار لا يمثل مجرد تغيير في الوجوه أو انتقال عادٍ للسلطة، بل هو إعلان رسمي عن “موت السياسة الكلاسيكية” وولادة هندسة براغماتية مغايرة تقلب المفاهيم المستقرة حول التحالفات والمعارضة في المغرب رأسًا على عقب.
وتتجلى معالم هذا التحول المفصلي في بُعدين بنيويين يضربان عمق الأدبيات السياسية المغربية:

*أولاً: الخطيئة الإيديولوجية وتزاوج النقيضين.. رحلة البحث عن “الشرعية الأخلاقية” وسقوط الأقنعة*
إن الفهم الحقيقي للخلفيات الموضوعية التي جعلت رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، تأخذ هذا المنحى نحو أحزاب الكتلة الديمقراطية (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية)، يكشف عن شبكة معقدة من التكتيكات والمصالح الوجاهية التي تعيد صياغة المشهد الحزبي المغربي. لم يكن هذا الخيار مجرد رغبة عادية لتأمين نصاب عددي، بل كان خطة بديلة فرضها المتغير الحاسم المتمثل في الهروب المبكر والذكي لحزب العدالة والتنمية نحو مقاعد المعارضة.
اليوم تواجه المنصوري تحدي الشرعية المزدوجة؛ فحزبها (الأصالة والمعاصرة)، ورغم تصدره بـ 97 مقعداً، لا تطارده فقط تهمة “الولادة في الحاضنة الإدارية” وافتقاده للامتداد النضالي التاريخي، بل يرزح تحت وطأة أزمة رمادية مرتبطة بالشبهات والملفات القضائية التي لاحقت بعض مكوناته ومنتسبيه، والتي تصدرت عناوينها قضايا تبييض السمعة ومكافحة الفساد المالي، وصولاً إلى ارتدادات ملف “إسكوبار الصحراء” والسجال المثار حالياً حول نازلة ” الصاك” في التدبير الجماعي. من هنا، يرى مراقبون أن الارتماء في أحضان مدرسة الحركة الوطنية (الكتلة) يمثل محاولة استراتيجية لاستعارة “حصانة أخلاقية وتاريخية”، والبحث عن مظلة رمزية تُغطي على تلك الندوب العميقة التي تركتها ضربات النزاهة القضائية في الرصيد البصري لحزب الصدارة.
وفي مقابل هذه المناورة، سقطت ورقة التوت عن أطر وقيادات أحزاب الكتلة الديمقراطية. هذه النخب، التي سادت أوهام لفترة طويلة بأنها تمتلك جينات المكر السياسي وتفهم خبايا صناعة المواقف، أظهرت تهافتاً برغماتياً عبر تغليب صريح للمصالح الشخصية والمنافع الذاتية الضيقة التي لا تمت لمبادئ الكتلة التاريخية بأي صلة. لقد تخلت هذه القيادات عن رأسمالها الرمزي وإرثها النضالي, وقبلت أن تدلف كـ “حليف إنقاذ” تحت وطأة إغراءات الحقائب الوزارية والمكتسبات الوجاهية، مؤكدة أن محركها الأساسي هو الضمان الشخصي للمناصب، حتى لو تحولت مدارسها العريقة إلى أدوات لتأثيث مشهد سياسي مأزوم.
هذا السقوط الأخلاقي المريع لنخب الكتلة هو بالذات ما يبرز الدهاء السياسي الخالص والمكر الاستراتيجي لحزب العدالة والتنمية (البيجيدي). فمن يظن أن هذا الحزب مجرد تنظيم “إسلاموي” لا يفقه في التكتيكات السياسية فهو واهم؛ لقد فكك العدالة والتنمية شفرة اللعبة مبكراً وبدقة متناهية. مثبتا ادراكه  بأن الغوص في مستنقع حكومة تقودها الواجهة الجديدة لـ “البام” هو انتحار سياسي سيتكفل بالإجهاز على ما تبقى من رصيده الشعبي. لذلك، وبذكاء تكتيكي حاد، اختار النأي بنفسه مبكراً والهروب إلى المعارضة بصدر مكشوف، مدركاً أن موقعه الطبيعي لاسترجاع وهجه هو قيادة جبهة الرفض والمحاسبة من الأسفل، تاركاً أحزاب الكتلة التاريخية تواجه منفردة مصير التآكل التدريجي والتواطؤ الانتهازي داخل تحالف حكومي هجين.

*ثانياً: الاستقطاب الحاد والالتقاء الإجرائي بين “أقصى اليمين” و”أقصى اليسار”*
البعد الثاني الذي يدعونا لتمزيق كتب العلوم السياسية القديمة هو طبيعة المفارقة في المعارضة المرتبطة بهذا المسار التشاوري. لأول مرة في التاريخ السياسي المعاصر للمملكة، سنجد أنفسنا أمام جبهة معارضة برلمانية تفتقد لأي خيط رابط سوى “الرفض والموقع”. إنها حالة من الائتلاف الموضوعي العفوي والاستقطاب الحاد الذي يجمع في خندق واحد بين نقيضين فكريين لا يلتقيان إلا في مساحات الاختلاف الحزبي: أقصى اليمين المحافظ (ممثلاً في حزب العدالة والتنمية)، وأقصى اليسار الراديكالي (ممثلاً في تحالف اليسار والاشتراكية الموحد).
هذا التموقع الجديد يسقط المقولة الكلاسيكية السائدة في العلوم السياسية بأن المعارضة يجب أن تكون ذات أفق برامجي متجانس أو إيديولوجية موحدة لتشكل بديلاً سياسياً حقيقياً. في ظل هذه الهندسة، سيضطر نواب اليمين الإسلامي ونواب اليسار الماركسي/الاشتراكي للتنسيق الإجرائي والتقني معاً لمواجهة حكومة المنصوري وتفكيك خطاباتها. هذا التحول يحول المعارضة من “كتلة متناغمة قادرة على طرح بدائل تنموية” إلى “منصة تنديد متعددة الأصوات والغايات الإيديولوجية المتصادمة”، وهو نموذج جديد من نماذج الهشاشة التنظيمية للمعارضة البرلمانية التي لم تحلل خطورتها وتداعياتها أي دراسة سياسية مغربية سابقة، حيث يصبح الصراع موجهاً نحو “الشخص والحدث” بدلاً من البرامج والرؤى التنموية.

ختاماً، وتوخياً للموضوعية والدقة، وجب التأكيد على أن كل ما يعج به المشهد الإعلامي والسياسي حالياً من سيناريوهات وتحالفات واصطفافات يظل مجرد تكهنات وقراءات استشرافية، وإشاعات كواليس قد يصيب بعضها في قراءة الواقع ويخطئ بعضها الآخر في فك شفرات الغرف المغلقة. لكن الأكيد، أنه في حالة تحقق هذه القراءات على أرض الواقع وصحتها، فإننا لن نكون أمام مجرد تشكيل حكومي عابر، بل سنشهد انقلاباً في الجينات البنيوية للمشهد الحزبي المغربي، وإعلاناً رسمياً عن دخول مرحلة “ما بعد الإيديولوجيا”. وحينها فقط، فإن من يملك دليلاً سياسياً قديماً لفهم المغرب، فعليه أن يلقي به في النار، ويبدأ في رصد قواعد لعبة جديدة تماماً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News