بقلم : محمد مفتاح
بين النصوص التنظيمية التي تمنح الجماعات الترابية صلاحيات واسعة لتهيئة المدار الحضري وتنظيم السير والمحطات، وبين مشهد السائق المهني بأولاد تايمة وهو يصارع من أجل كفاف يومه في بيئة مهنية عشوائية، تتجلى مفارقة تدبيرية صارخة. لا يمكننا اليوم قراءة لجوء المهنيين إلى الشارع بمعزل عن “الجمود اللوجستيكي” والتنظيمي الذي تعاني منه المدينة. إن إلقاء اللوم بالكامل على الإكراهات الخارجية لم يعد مبرراً كافياً لتبرئة ذمة الأغلبية المسيرة؛ فالمسؤولية المحلية ثابتة، ومساءلة القائمين على الشأن الجماعي حول غياب رؤية استشرافية لحماية السائق المهني وضمان كرامته، باتت هي المدخل الأساسي لفهم مآلات هذا الاحتقان المقلق.
الجمود اللوجستيكي وفوضى المحطات.. غياب البنية التحتية كأولى عتبات الإقصاء
لا يستقيم الحديث عن حماية السائق المهني وصون كرامته الاجتماعية، بمعزل عن توفير فضاء ملائم ومرفق عام يستوعب نشاطه اليومي. وهنا تتجلى المسؤولية المباشرة للأغلبية المسيرة للمجلس الجماعي لأولاد تايمة، المطالَبة بتقديم تفسيرات واضحة حول التعثر غير المبرر الذي يشهده مشروع المحطة الطرقية الجديدة؛ إذ على الرغم من رصد التمويلات اللازمة وتواتر الوعود الانتخابية بتأهيل هذا القطاع الحيوي، إلا أن المشروع ظل حبيس الرفوف.
إن هذا التراخي التدبيري يضع السائقين والمرتفقين على حد سواء في مواجهة يومية مع فوضى عارمة داخل محطات وقوف عشوائية ومؤقتة؛ وهي فضاءات مهترئة تفتقر لأبسط المقومات الإنسانية والمهنية، حيث يغيب عنها التجهيز الأساسي من مظلات تقي السائقين والركاب هجير الصيف الحارق وأمطار الشتاء، فضلاً عن انعدام المرافق الصحية الضرورية وغياب التنظيم الإداري المحكم.
هذا الركود اللوجستيكي لا يقف عند حدود تشويه الجمالية الحضرية لمدينة أولاد تايمة، بل يحوّل المشهد المهني اليومي للسائق إلى رحلة كفاح مريرة لانتزاع موضع وقوف وسط بيئة خانقة بالاكتظاظ، ومحاصرة بظواهر احتلال الملك العمومي وتنامي الأنشطة غير المنظمة. بناءً عليه، فإن غياب الإرادة المحلية في تسريع وتيرة هذا المشروع الاستراتيجي يعد تجسيداً صارخاً لضعف المواكبة، ويجعل من غياب البنية التحتية الكريمة عتبة الإقصاء الأولى التي دفعت بالمهنيين إلى الشارع كخيار أخير للتنديد بـ”التهميش التدبيري”.
شلل “الشرطة الإدارية” وغياب مخطط السير.. الشوارع كمصيدة يومية
بموجب المادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، تملك رئيسة المجلس الجماعي لأولاد تايمة صلاحيات حصرية كاملة في إطار الشرطة الإدارية لتنظيم السير والجولان بالطرق العمومية الجماعية. ومع ذلك، يكشف الواقع اليومي عن شلل تام في تفعيل هذه المقتضيات القانونية، مما حوّل شوارع المدينة إلى ساحة مفتوحة للاعتلاء والارتجال التي يدفع السائق المهني كلفتها من سلامته العصبية ومصدر رزقه اليومي.
ويتبدى هذا القصور التدبيري في الغياب شبه التام لعلامات التشوير الطرقي الواضحة والمحدثة، واستمرار وجود منشآت مرورية عشوائية باتت تُعرف محلياً بـ”مدارات الموت”، نظراً لافتقارها للمعايير التقنية والهندسية الكفيلة بضمان سلامة المركبات وانسيابية المرور. إن تماطل الأغلبية المسيرة في إعداد وإخراج مخطط سير وجولان عصري يواكب التوسع العمراني السريع للمدينة، جعل المهنيين في مواجهة مباشرة مع حوادث السير وضغوط الاختناق المروري المستمر في المحاور الرئيسية، وعلى رأسها شارع محمد الخامس.
والأخطر من ذلك، هو أن هذا التراخي في اتخاذ القرارات التنظيمية الحازمة ساهم في إذكاء الصراعات المهنية البينية؛ إذ أدى غياب الحسم الجماعي في تحديد مسارات النقل ونقاط الانطلاق والوقوف إلى ترك الحبل على الغارب لتداخل الخطوط، مما فجّر مواجهات دورية بين مهئيي “سيارات الأجرة الكبيرة” وأرباب “النقل المزدوج”. وبناءً عليه، فإن تقاعس المجلس عن الاضطلاع بدوره كحكم تنظيمي يفرض سيادة القانون، قد حوّل الفضاء الطرقي للمدينة من شريان داعم للإنتاجية إلى مصيدة يومية تستنزف طاقة السائقين وتدفع القطاع نحو مزيد من الاحتقان والاحتجاج.
العزوف عن الحوار وتأجيج الانقسام.. السائق الأجير والمُلاّك في صراع الأولويات
لا تقف حماية السائق المهني عند حدود توفير الإسفلت وتثبيت علامات التشوير، بل تبدأ بالأساس من الإنصات لعمق معاناته الإنسانية والاجتماعية، وتحديداً الفئة الأكثر هشاشة وحرماناً داخل القطاع وهم “السائقون الأجراء” (المياومين). وفي ظل هذا الوضع، يرى فاعلون محليون أن المقاربة التواصلية المعتمدة من طرف الأغلبية المسيرة للمجلس تتطلب انفتاحاً أكبر على المقترحات النقابية، بما يضمن إرساء دعائم حوار مؤسساتي مستدام يحقق مصالح كافة الأطراف.
هذا التحدي التواصلي وانعدام آليات الوساطة المحلية الفعالة ساهم بشكل مباشر في تعميق شرخ الانقسام الداخلي، وتأجيج صراع طبقي صامت طفا على السطح في الاحتجاجات الأخيرة؛ حيث برز تضارب جذري في المتطلبات بين جبهة “المُلاك ومستغلي الرخص” وجبهة “السائقين الأجراء”. ففي الوقت الذي تنحصر فيه مطالب أصحاب الشركات في الامتيازات التجارية المادية (كالزيادة في التسعيرة ودعم المحروقات)، تدور هموم السائق البسيط حول حق البقاء والكرامة؛ إذ يطالب بالحماية من تعنت أصحاب المأذونيات، وتفعيل التغطية الصحية الإجبارية (CNSS)، والاستفادة من التأمين عن حوادث الشغل، وإسقاط الديون المتراكمة نتيجة شروط العمل المجحفة (الحلاوة و”الروسيتة” اليومية المرتفعة).
وبدلاً من أن يضطلع المجلس البلدي بدور المسهّل والمظلة الحامية للحلقات الأضعف لتقريب وجهات النظر، تُرِك السائق الأجير وحيداً في عين العاصفة. إن تنصل الأغلبية من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية في فتح قنوات الإنصات لهذا التضارب الفج، جعلها شريكة في إحباط السائقين. فالمجلس كان بإمكانه استخدام ثقله المؤسساتي لتفعيل لجان مشتركة تُعنى بالملفات الاجتماعية، وصياغة ملتمسات رسمية لفرض شروط شغل عادلة. غير أن غياب الحلول التوافقية داخل قاعات الاجتماعات الجماعية لم يفعل شيئاً سوى دفع السائقين الأجراء لرفض الوقفات التي تخدم الملاك وحدهم، لتتحول الشوارع إلى ساحة لتصريف هذه التناقضات الاجتماعية.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو أنه كلما وُجهت الأغلبية بملف النقل، سارعت إلى الاحتماء وراء تبريرات جاهزة من قبيل “ارتفاع أسعار المحروقات سياسة حكومية” أو “تقنين التطبيقات الذكية شأن قطاعي مركزي”. ورغم واقعية هذه الإكراهات الوطنية، إلا أن استخدامها كـ”شماعة” للتنصل من الالتزامات المحلية يعد هروباً إلى الأمام. فالأغلبية مطالبة بالتحرك الفوري في حدود المتاح والممكن؛ تنظيماً للفضاء العام، وتخفيفاً للعبء الجبائي الجماعي، ومحاربةً للنقل السري العشوائي داخل المدار الحضري بتنسيق صارم مع السلطات المحلية لحماية النقل المرخص.
شماعة الإكراهات الخارجية وحتمية المبادرة المحلية
يظهر جلياً أن احتجاجات السائق المهني بأولاد تايمة لم تعد مجرد خلاف تقني حول مرفق مؤجل أو مدار مروري سيئ الهندسة، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لواقع متأزم يسير بثبات نحو الاحتقان الاجتماعي والطبقي. إن استمرار الأغلبية المسيرة في نهج سياسة “النعامة”، والاحتماء وراء شماعة الإكراهات الخارجية والتحديات الوطنية (كغلاء المحروقات وفوضى التطبيقات)، لم يعد ينطلي على الشارع الهواري الذي بات يرى في هذا الصمت التدبيري تملصاً من المسؤولية وتواطؤاً غير مباشر مع ضرب كرامة الشغيلة المهنية.
إن هذا الغليان الذي يطبخ على نار هادئة، ويغذيه التناقض الصارخ بين هموم السائق الأجير المغلوب على أمره وتطلعات “باطرونا” المأذونيات، يمثل إنذاراً مبكراً للأغلبية؛ فالطبقات المستنزفة يومياً لم تعد تملك ترف الانتظار حتى نهاية الولاية الانتدابية الحالية لترى وعود “التنمية” تتحقق على أرض الواقع. والأغلبية اليوم مطالبة بالتحرك الفوري في حدود المتاح محلياً: تنظيماً للمحطات، وحسماً لمخططات السير، ومحاربةً للنقل السري داخل المدار الحضري بالتنسيق مع السلطات المعنية.
لقد حان الوقت لتدرك المدبرة الجماعية بالمدينة أن حماية السائق المهني هي جزء لا يتجزأ من حماية السلم الاجتماعي لأولاد تايمة ككل. إن عتبة الحل الأولى تفرض الانتقال الفوري من خانة “التبرير” إلى خانة “المبادرة” عبر النزول من أبراج الصمت وتفعيل لجان الحوار لإخراج المشاريع المجمدة؛ فإما أن يتحمل المجلس مسؤوليته السياسية ويعيد بناء جسور الثقة مع المهنيين، أو أنه يكتب بيده فصلاً جديداً من التشنج الذي سيعصف بما تبقى من استقرار وجاذبية لمدينة هوارة.























