بورتري: أيوب بوعدي.. الفتى الأمازيغي الذي أصبح عربياً

kapress5 ساعات agoLast Update :
بورتري: أيوب بوعدي.. الفتى الأمازيغي الذي أصبح عربياً

بقلم : محمد مفتاح
في الفضاء الإعلامي والرياضي المعاصر، تخضع هوية اللاعب لـ “تأميم وعولمة” سريعة وقت الانتصارات، مقابل “خصخصة وعزل عِرقّي” وقت الانكسارات. عندما يتألق نجم صاعد، تسارع المنصات لربطه بالهوية الكبرى المشتركة؛ فيصبح البطل محلياً وقومياً وعربياً في آن واحد. لكن هذه الهوية تظل مشروطة بالتميز؛ فإذا حلّ الإخفاق، يرتد الخطاب الجمعي للبحث عن “خصوصية سلبية” تعزل اللاعب عن محيطه المرفوع.
“أينشتاين” تزنيت وعالم الأرقام
في عمق الجنوب المغربي، حيث تتنفس الجبال بجرأة الأمازيغ وتُصاغ الفضة في تزنيت بصبر وتأنٍّ، تضرب جذور الفتى أيوب بوعدي. ولد في فرنسا، لكن ملامحه وهدوءه وجديته الصارمة تحمل جينات السوسيين الذين يجمعون بين الحكمة وبُعد النظر.
لم يكن أيوب مجرد لاعب كرة قدم موهوب يركض خلف الكرة، بل كان نموذجاً استثنائياً لـ “اللاعب العالم”؛ فتى يجمع بين دقة التمرير على العشب الأخضر وعبقرية الأرقام، حتى أطلقت عليه وسائل الإعلام لقب “أينشتاين” بسبب تفوقه الدراسي الباهر وشغفه الاستثنائي بمادة الرياضيات المعقدة. هذا الذكاء التحليلي والقدرة على حساب المساحات والزوايا في أجزاء من الثانية، هما ما منحه الهدوء العالي والتحكم التكتيكي المرعب في خط الوسط، ليدخل التاريخ كأصغر لاعب يشارك في دوري المؤتمر الأوروبي، وتلتقطه أعين الصحافة العالمية قبل العربية.
زمن التميز: عندما تتبنى الشاشات “ابن سوس”
عندما حسم بوعدي قراره بتمثيل أسود الأطلس، وتألق في خط وسط الميدان، انطلقت الماكينة الإعلامية في عزف سيمفونية المديح. تحول ابن تزنيت الأمازيغي فجأة، وبفعل فاعل إعلامي، إلى “المايسترو العربي الجديد” و”مفخرة العرب في الملاعب الأوروبية”.
هنا تبرز المفارقة: يتم اقتلاع الفتى من خصوصيته الثقافية السوسية ليُعاد صهره في سردية “التميز العربي الجماعي”. تسابقت القنوات للإشادة بـ “الدم الحار” والذكاء الذي يمثل الكرة العربية، متناسية أن تميزه صِيغ بجهد شخصي، وعقلية رياضية علمية، وجذور ثقافية ممتدة في عمق الأطلس.
زمن الإخفاق: الارتداد نحو “العزلة العرقية”
الجانب المظلم لهذه الجدلية الهوياتية يظهر عندما يتراجع المستوى أو يحدث تعثر عابر. ووفقاً لآليات “التميز المشروط”، فإن وسائل الإعلام والجماهير الرقمية التي وضعت لبوعدي وسم “العربي اليقظ” وقت المجد، هي نفسها التي يُخشى أن ترتد وتجرده من هذا الحاضن الجماعي عند الخسارة.
في لحظات الفشل، ينسحب الخطاب الجامع، ويُعاد تفكيك هوية اللاعب وعزله. فجأة، قد يتحول في لغة المنصات أو ردود الفعل الرقمية إلى “اللاعب الأمازيغي المغترب” أو “ابن المهجر الذي لا يفهم تكتيك المنطقة”، وكأن الهوية صك غفران يُمنح مع الأهداف والتمريرات الحاسمة، ويُسحب مع الهزائم لإسقاط المسؤولية عن الذات الكبرى وتبرئتها.
التعددية كحصن ضد الهويات الزائفة
إن حالة أيوب بوعدي لا تعدو كونها نموذجاً مصغراً لظاهرة أوسع تشمل كل المتميزين والمبدعين المغاربة في مختلف المجالات؛ من علماء الذكاء الاصطناعي، ومفكري الفلسفة، ورواد الأعمال، وصولاً إلى نجوم الفن والرياضة في المحافل الدولية. إن التميز المغربي لطالما كان نتاج تلك الخصوصية الفريدة التي تكمن في “التعددية داخل الوحدة”، حيث تتكامل الروافد الأمازيغية والعربية، والأندلسية والإفريقية، لتشكل هوية وطنية متماسكة صهرها التاريخ والدستور.
لذلك، يحتاج الخطاب الإعلامي والجماهيري – محلياً وإقليمياً – إلى نضج حقيقي يتجاوز سرديات “التأميم والخصخصة” الهوياتية. يجب الاحتفاء بالمبدع المغربي كإنسان يحمل غنى ثقافته الأصلية دون تذويبها وقت النجاح لتصبح فخراً قومياً مشاعاً، ودون الانكفاء عليها وقت الإخفاق لتحويل جذوره إلى جدار عزل أو تهمة جاهزة. إن الاعتراف بالتميز في أبعاده الإنسانية والوطنية الشاملة هو الحصن الحقيقي لحماية المبدعين من تقلبات المنصات الرقمية، وضمان بقاء الإنجاز المغربي منارة تجمع ولا تفرق.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News