بقلم : محمد مفتاح
الذين يشككون في قدرة الشباب على أخذ المبادرة السياسية، عليهم أن يتأملوا ملياً تجربة أسامة باريك؛ الشاب الذي صنع زلزالاً سياسياً حقيقياً في ميدلت. لقد أثبت هذا النموذج النابع من عمق جبال الأطلس أن التغيير ليس حكراً على النخب التقليدية أو الوجوه المألوفة التي احتكرت المشهد الحزبي لعقود.
لم يكن الاكتساح الانتخابي غير المتوقع الذي حققه أسامة باريك في الانتخابات التشريعية مجرد طفرة عابرة، بل كان صدمة إيجابية لـ”حراس المعبد السياسي”؛ فبينما كانت كل التوقعات والتقارير تراهن على سطوة الأعيان والآلات الحزبية الضخمة، استطاع هذا الشاب أن يقلب الطاولة محققاً أكثر من 32 ألف صوت. لقد قدم درساً بليغاً في كيفية تكسير جدار العزوف الذي ظل يؤرق صُناع القرار، مرسخاً معادلة جديدة: الشباب لا يهرب من السياسة، بل يهرب من النمطية.
إن اللغز الحقيقي وراء هذا “الزلزال” لم يكن السحر الرقمي، بل القدرة الفائقة على رفع نسبة المشاركة السياسية بمدينته وإقليمه. في بيئة جغرافية عانت طويلاً من التهميش وقساوة الظروف، كان الرهان السائد هو استسلام الساكنة لليأس والمقاطعة. لكن باريك نجح في تفكيك هذا الإحباط عبر منهجية “السياسة الحافية”؛ نزل إلى المداشر والقرى النائية في إملشيل وبوزمو وزايدة، متحدثاً بلغة بسيطة تشبه آلام الناس وعكست بصدق معاناة “تلاميذ الجبال”.
لقد نقل المعركة من فضاء “الفيسبوك” الافتراضي ليربطها مباشرة بالأرض؛ وحوّل المتابعين الرقميين والمترددين إلى جبهة تعبئة حقيقية زحفت بقوة نحو صناديق الاقتراع. لم يستعطف أحداً ولم يقدم وعوداً معلبة، بل جعل المواطن البسيط يشعر بأن صوته الانتخابي هو سلاحه الوحيد لانتزاع الكرامة وفك العزلة. هذا التلاحم الميداني هو ما دفع بآلاف المقاطعين تقليدياً —خاصة من الفئات الشابة وقاطني الهوامش— إلى الخروج بكثافة، حاسمين النتيجة لصالحه بفارق مريح ومتجاوزين قلاعاً انتخابية ظن أصحابها أنها غير قابلة للاختراق.
لكن الرسالة الأقوى والأعمق في تجربة أسامة باريك ليست موجهة للنخب المهزومة، بل هي حبل نجاة لكل شاب محبط يرى في العمل السياسي فضاءً مغلقاً يتطلب إمكانيات مالية باهظة أو قبولاً مجحفاً بالأدوار الثانوية وكواليس “مسح الأحذية” داخل المقرات الحزبية. قصة باريك تفكك هذه الأسطورة؛ فهذا الشاب جال بين أروقة مجموعة من الأحزاب التقليدية والنافذة، وبحث عن تزكية سياسية تمنحه فرصة التنافس، لكنه قوبل بالرفض والإقصاء من دكاكين سياسية لا تؤمن بالشباب إلا كوقود للحملات أو ديكور لتأثيث المنصات.
لم يستسلم باريك لصفعة الخذلان، ولم يقبل بدور “الكومبارس”، بل تجرأ على خوض المغامرة بالرهان على حزب الوحدة والديمقراطية؛ وهو حزب مغمور لم يكن يملك في تلك التربة السياسية الوعرة أي مقعد أو آلة انتخابية. دخل المعركة “بصفر درهم” تقريباً، معتمداً على سيارات متطوعين وإيمان مطلق بعدالة قضيته. واليوم، هذا الشاب الذي رفضته الأجهزة الحزبية الضخمة يجلس بقوة الإرادة الشعبية تحت قبة البرلمان.
يبعث هذا الزلزال الميدلتي برسالة واضحة: إن رفع نسب المشاركة وضمان حيوية المسار الديمقراطي لا يحتاج إلى أموال طائلة أو تزكيات من “أعيان السياسة”؛ بل يحتاج فقط إلى نماذج صادقة يرى فيها المواطن نفسه وهمومه اليومية. تجربة أسامة باريك هي إعلان صريح عن نهاية زمن الوصاية السياسية، وتأكيد للشباب المغربي على أن الثقة يمكن استعادتها سريعاً، وأن قلاع الإقصاء تسقط أمام شجاعة المبادرة وصدق الميدان.






















