محمد مفتاح
خلف بريق شاشات الهواتف الذكية المضيئة في غرف النوم المظلمة للمراهقين المغاربة، تدور معركة صامتة وغير متكافئة بالمرة؛ طرفاها طفل مراهق لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة، وخوارزميات ذكاء اصطناعي لشركات تكنولوجية عملاقة، صُممت بدقة متناهية لاقتناص كل ثانية من انتباهه وتحويلها إلى أرباح مالية ضخمة. هذا الواقع المرير لم يعد شأناً أسرياً داخلياً، بل تحول إلى قضية رأي عام تفرض نفسها بقوة في المغرب والعالم، بالتزامن مع لجوء عواصم غربية مثل لندن وكانبيرا إلى خيار “الزر النووي” المتمثل في الحظر الشامل لمنصات التواصل الاجتماعي على القاصرين دون سن السادسة عشرة. هذا الزلزال التشريعي نقل النقاش في الصالونات الرقمية المغربية من مجرد التباكي على “إدمان الشاشات” وضعف التحصيل الدراسي، إلى تساؤل بنيوي حاد حول مدى قدرة، وربما رغبة، المشرّع المغربي في ممارسة سيادته الرقمية لحماية أطفاله من بيئة باتت ملوثة بالابتزاز والتحرش وتشويه الصحة النفسية. وتكفي الإشارة هنا إلى الأرقام الصادمة التي رصدتها تقارير منظمة الصحة العالمية واليونسكو، والتي تؤكد أن أكثر من 40% من المراهقين عالمياً يعانون من “الإدمان الرقمي الحاد”، وأن قضاء أكثر من 3 ساعات يومياً على هذه المنصات يضاعف احتمالية الإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق بنسبة 200%، كما أن أكثر من 15% من المراهقين عالمياً يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات، في حين تؤكد دراسات تقنية متقاطعة أن المراهق يقضي ما معدله 5 إلى 7 ساعات يومياً في تصفح منصات “تيك توك” و”إنستغرام”، وهي مدة تفوق بكثير الزمن المخصص للأنشطة البدنية أو الأسرية مجتمعة.
إن الغوص في تفاصيل هذا الجدل يكشف عن هوة سحيقة بين نوايا الحظر والواقع التقني المتشابك؛ فبينما يهلل آباء وفاعلون تربويون مغاربة لهذه الخطوات الأوروبية الصارمة، معتبرين إياها طوق نجاة لجيل بات يرزح تحت وطأة الاكتئاب والعزلة وتدني تقدير الذات، تبدي الأوساط الحقوقية والتقنية بالمملكة شكوكاً مشروعة حول جدوى المقاربات الزجرية المحضة. “أبناؤنا يعيشون في عالم موازٍ لا نملك مفاتيحه، والمنع الغربي يبدو مغرياً لكنه صعب التطبيق في بيوتنا”، بالنظر لحجم العجز الأسري أمام طوفان الشاشات. ويعزز هذا الطرح خبراء علم النفس والمختصون التربويون بالمغرب، والذين يؤكدون في شهاداتهم أن الحظر الكلي يولد “رغبة عارمة في كسر الحظر”، مما قد يدفع الأطفال إلى مساحات إنترنت أكثر قتامة وسرية بعيداً عن أعين الرقابة الوالدية. فالتحقيقات التقنية تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المراهقين اليوم يمتلكون مرونة تكنولوجية فائقة تفوق في كثير من الأحيان قدرة المراقبة الحكومية، حيث تظل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وتزوير تواريخ الميلاد بوابات مشرعة للالتفاف على أي حظر رسمي. علاوة على ذلك، فإن منع الولوج يهدد بعزل آلاف القاصرين المغاربة معرفياً وثقافياً في عصر بات فيه التعلم الذاتي، واكتساب مهارات البرمجة، والذكاء الاصطناعي، يمر حتماً عبر هذه الشرايين الرقمية، مما يعني أن الحظر الكلي قد يتحول من أداة حماية إلى صك إقصاء رقمي.
تكمن الأزمة الحقيقية التي يتغاضى عنها الكثيرون في أن معركة حماية القاصرين لا يجب أن تُخاض ضد الأطفال أنفسهم بالمنع الكلي، بل ضد الشركات التكنولوجية العابرة للقارات التي ترفض تكييف بيئتها لتصبح آمنة. إن التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم ليس استنساخ القوانين الغربية بشكل حرفي، بل في صياغة إستراتيجية وطنية شجاعة تفرض شروطاً صارمة على شركات مثل “ميتا” و”تيك توك” لإلغاء ميزات “التمرير اللانهائي” المدمرة، وتشديد أدوات التحقق البيومتري من السن دون انتهاك الخصوصية، مع تعزيز “التربية الرقمية” في المناهج التعليمية المحلية. وهنا تبرز المسؤولية الملقاة على عاتق المشرع المغربي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، للتحرك صوب سد الفراغ التشريعي الحالي عبر مراجعة مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتطوير ترسانة قانونية مغربية خالصة تلزم تلك المنصات باحترام الخصوصية السيكولوجية والاجتماعية للطفل المغربي وتلزمهم أيضا بوضع “زر أمان” محلي، بل وتفرض غرامات مالية باهظة على الشركات التي تثبت إدانتها بانتهاك خصوصية الأطفال المغاربة أو استهدافهم بإعلانات تجارية موجهة تعتمد على بياناتهم النفسية وسلوكهم الرقمي، بدلاً من ترك فلذات كبدنا فريسة سهلة في عالم افتراضي لا يرحم.
و وللوصول إلى هذا المبتغى وتأطير هذه الحماية قانونياً، يُقترح تطعيم الترسانة التشريعية المغربية ببند خاص بالسلامة الرقمية للطفل يتضمن أربعة تدابير إلزامية:
أولاً، إجبار منصات التواصل الاجتماعي العاملة في المغرب على تفعيل “نظام التحقق البيومتري المزدوج” لتحديد الأعمار الحقيقية للمستخدمين، مع فرض غرامات مالية تصاعدية على الشركات التي يثبت تراخيها في حظر حسابات الأطفال دون السن القانوني.
ثانياً، منع ميزات الجذب الإدماني بقوة القانون للفئات الناشئة، وتحديداً خاصية “التمرير اللانهائي” (Défilement infini) والتشغيل التلقائي لمقاطع الفيديو، مع الإيقاف الإجباري للإشعارات بين الساعة التاسعة ليلاً والسابعة صباحاً للحسابات التي يملكها قاصرون.
ثالثاً، توسيع اختصاصات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) لمنحها سلطة الضبط والتدخل الفوري لطلب الحجب المؤقت أو الكلي لأي تطبيق يرفض الامتثال لمعايير “الخصوصية الافتراضية للقاصرين”، والتي تحظر جمع بيانات الأطفال لأغراض الإعلانات الموجهة.
ورابعاً، إحداث مقتضى جنائي مشدد يجرّم استغلال صور الأطفال أو صناعة محتوى رقمي يرتكز على القاصرين بغرض التربح المادي (صناعة “اللايفات” وتحديات المشاهدات)، لحماية الطفولة من السلعنة والابتزاز الافتراضي.
إن حماية الطفولة المغربية من تغوّل منصات التواصل الاجتماعي لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً تربوياً عابراً، بل هي معركة سيادة وطنية وأمن مجتمعي بامتياز. إن الاكتفاء بمراقبة التحركات التشريعية الدولية من بعيد، أو الاستسلام لواقع الفوضى الرقمية بحجة صعوبة التحكم التقني، ليس إلا تخلياً غير معلن عن جيل المستقبل وتركه لقمة سائغة لخوارزميات لا تؤمن بالقيم الإنسانية. لقد حان الوقت ليتوقف المشرّع المغربي عن دور المتفرج، ويمتلك الجرأة السياسية والتشريعية لفرض خطوط حمراء لا تقبل المساومة على شركات التكنولوجيا العابرة للقارات، بالتوازي مع بناء وعي أسري ومؤسساتي متين. فالرهان الحقيقي اليوم ليس إغلاق الهواتف أو إطفاء الشاشات، بل في صياغة بيئة رقمية آمنة وبديلة تضمن لأطفالنا العبور نحو المستقبل متسلحين بالمعرفة والمعلومات، لا مكبلين بقيود الإدمان والابتزاز الافتراضي.























