محمد مفتاح
أخيراً، تنفس العالم العربي الصعداء. لم نعد بحاجة إلى طائرات الجيل الخامس، ولا لقمم مجلس الأمن، ولا لخطط التنمية المستدامة المملة التي تصدع بها رؤوسنا المنظمات الدولية. فبفضل “الكتيبة المونديالية الباسلة”، وبأقدام فرساننا الأشاوس الذين يتقاضون الملايين في الملاعب الأوروبية، نجحنا في دحر الأعداء، ورفع راية الأمة خفاقة فوق منصات التتويج، وأثبتنا للعالم أجمع أننا قادمون لقيادة البشرية… طالما أن المعركة لا تتجاوز تسعين دقيقة، وبشرط ألا تنقطع الكهرباء أثناء البث المباشر.
يعود الفضل في هذا المجد القومي المؤزر إلى عبقرية معاصرة في إعادة تدوير “الكيشوتية”. فبينما كان سلفنا العظيم دون كيشوت يرتدي درعاً صدئاً ويمتطي حصانه الهزيل ليحارب طواحين الهواء ظناً منه أنها عمالقة، طوّرنا نحن النسخة العربية الرقمية؛ خلعنا الدروع، وارتدينا “الشورتات”، واستبدلنا الخيول بشاشات التلفزيون، وحولنا طواحين الهواء إلى تسعة وعشرين لاعباً يركضون خلف قشرة من الجلد المنفوخ.
ما أجمل الإستراتيجية العربية الجديدة! إنها حرب بلا دماء، ونصر بلا كلفة. يفوز المنتخب بمباراة ودية، فيتحول المذيع في الاستوديو التحليلي إلى “صلاح الدين” العصر الحديث، ملوحاً بميكروفونه كأنه سيف دمشقي صقيل، واصفاً التمريرة العرضية بأنها “غزوة مباركة”، والهدف بأنه “فتح مبين”. وفي تلك اللحظة المجيدة، تختفي من وعي الجماهير طوابير الخبز، وتتلاشى أرقام التضخم، وتصبح أزمة البطالة مجرد “تسلل” غير محتسب في مباراة الحياة اليومية.
أما سدنة إعلامنا الأفاضل، فقد تفوقوا على تابعه الوفي “سانشو بانثا”. سانشو كان يذكر سيده بالواقع المرير، أما “سانشواتنا” المعاصرون فقد وجدوا في كرة القدم المنقذ والملجأ. إنهم يغذون الوهم بكل ما أوتوا من ميزانيات، ويقيمون الأفراح والليالي الملاح، لأن الفوز بكأس إقليمية كفيل بتأجيل المطالبة بالحقوق والديمقراطية لمدة عامين على الأقل. إنه التخدير الشرعي والممتع، حيث يتظاهر الجميع بالانتصار، بينما الهزيمة الحقيقية تجلس مسترخية في الخارج، تنتظر إطلاق صافرة النهاية لتطالب الجميع بدفع الفواتير المتأخرة.
المفارقة الكبرى تحدث عندما تنتهي البطولة، ويغادر الفرسان الملعب نحو نواديهم الأوروبية لحصد الأرباح. هنا، يسقط الرداء السحري عن دون كيشوت العربي، ويجد نفسه وجهاً لوجه مع طاحونة الهواء الحقيقية: جواز سفر يحتاج إلى تأشيرة مستحيلة، وجامعات خارج التصنيف العالمي، واقتصاد يترنح. ينظر حوله فلا يجد الكأس، بل يجد جراح الهزيمة التنموية المستمرة تنزف بغزارة.
لكن لا بأس، فالأمل لا يموت في عروق هذه الأمة الكيشوتية. سنغلق ملف هذه الهزيمة الواقعية فوراً، ونبدأ من غدٍ بالإعداد للملحمة القادمة، وسنظل نصرخ ونهتف خلف الشاشات حتى يقتنع العالم أننا قياصرة الأرض، أو حتى يحين موعد تصفيات كأس العالم القادمة… أيهما أقرب!























