بقلم : محمد مفتاح
لم تعد ردهات المحاكم وحدها شاهدة على معارك العدالة في المغرب، بل انتقلت المواجهة إلى قلب المؤسسة التشريعية بقبة البرلمان بالرباط. إن الاحتقان غير المسبوق الذي فجّره مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يحمل في طياته أزمة ثقة عميقة بين السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل، وجسم الدفاع الذي اختار خوض إضراب شامل واعتصام مفتوح؛ تعبيراً عن رفضه لمقتضيات تمس جوهر الحصانة القانونية.
جدلية الرقابة المالية وحصانة السر المهني
تتمحور أولى بؤر الخلاف حول المادة 76 من المشروع، والتي استحدثت مقتضى يخضع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. وبينما تدافع الحكومة عن هذا التدبير كخطوة لتعزيز الشفافية وحماية أموال المتقاضين، يرى فيه أصحاب البذلة السوداء مساً مباشراً بالسر المهني واستقلالية الهيئات، مؤكدين أن للمهنة آلياتها الرقابية الذاتية الكفيلة بضمان الحكامة المادية دون الحاجة لوصاية خارجية تخدش خصوصية العلاقة بين المحامي وموكله.
هواجس الاستقرار المادي وتحديات الحكامة التنظيمية
وعلى مستوى التدبير المهني، تمنح المادة 77 لمجلس الهيئة صلاحية اقتطاع نسبة لا تتجاوز 10% من أتعاب المحامي المصفاة لتغطية مصاريف معينة؛ وهو مقتضى يثير هواجس الفاعلين حول مدى تأثيره على الاستقرار المادي للمحامين الشباب في بداية مسارهم. توازياً مع ذلك، تفرض المادة 131 قيوداً على عدد الولايات المسموح بها للمترشحين لعضوية مجلس الهيئة (نقيباً سابقاً أو عضواً بالمجلس لولايتين)، مما يثير نقاشاً حقوقياً حول مدى مشروعية تدخل المشرع في الشؤون الداخلية التي يجب أن تظل حكراً على الإرادة المستقلة للجمعيات العمومية للهيئات.
امتداد التشنج إلى البيت الداخلي للتحالف الحكومي
إن هذا التشنج التشريعي لم يعد محصوراً بين الوزارة والمهنيين، بل امتد ليزلزل البيت الداخلي للتحالف الحكومي نفسه. وشكّلت انتفاضة تنظيمات المحامين التابعة لأحزاب الأغلبية وتجميد أنشطتها شهادة سياسية بارزة على أن النص الحالي صيغ بعجلة تفتقر إلى النضج والحكمة؛ مما يعكس ضيق صدر الحكومة بالتدبير التشاركي، وتراجعها عن التوافقات السابقة مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب عبر تبني منطق “الانفراد بالقرار”.
المحاماة رسالة حقوقية وليست وظيفة إدارية
إن التشريع للوطن لا يعني أبداً صياغة القوانين بخلفية السعي لكسر شوكة المؤسسات المهنية المستقلة. فالمحاماة لم تكن يوماً مجرد وظيفة خدماتية خاضعة لدفتر تحمّلات إداري، بل هي رسالة حقوقية سامية تتطلب حصانة عملية وفكرية لحماية حقوق المواطنين ومواجهة أي تغول محتمل للسلطة. ولا يمكن للقوانين أن تحقق غاياتها الإصلاحية إلا إذا حظيت بالقبول والامتثال من الفئة المستهدفة بها. إن التحديات الرقمية والاقتصادية الراهنة التي تواجه العدالة المغربية تفرض على جميع الفاعلين تغليب لغة الحكمة، وصياغة تعاقد مهني يضمن التحديث والعصرنة، ويحفظ للمحاماة عراقتها كشريك أساسي في بناء دولة الحق والقانون.
مستقبل المحاماة بالمغرب: نحو معادلة صعبة بين متطلبات التحديث واستقلالية المهنة… احتقان تشريعي وأزمة ثقة























