بقلم : محمد مفتاح
لم يكن تقهقر حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بباشوية أولاد تايمة مجرد كبوة سياسية عابرة، بل جاء كإعلان صريح عن تصدع بنيوي عميق في هندسة المشهد السياسي المحلي.
فعلى أعتاب الاستحقاقات الجماعية، ووسط ذهول الأغلبية المسيرة، كشفت صناديق الاقتراع عن تآكل غير مسبوق في نفوذ “منظومة العائلات الانتخابية” التي هيمنت على الخارطة لعقود، لصالح كتلة ناخبة أكثر تسييساً وانضباطاً.
هذا التراجع الرقمي الحاد، الذي يفصل الأحرار بآلاف الأصوات عن الصدارة، لم يكن وليد الصدفة؛ بل هو المحصلة الطبيعية لولاية جماعية عجزت مشاريعها المتعثرة عن الارتقاء لانتظارات الساكنة التي استبشرت يوماً برئاسة نسائية واعدة، قبل أن تصطدم بجدار من التدبير الباهت، والأسلوب التواصلي العدائي الذي ضاق ذرعاً بالنقد البنّاء، مضافاً إليه فاتورة سياسية وطنية ومركزية ثقيلة.
أولاد تايمة والوعي الانتخابي الجديد: نهاية الصلاحية لمنظومة الأعيان
لم يكن الفارق الرقمي الشاسع الذي أفرزته صناديق الاقتراع التشريعي بأولاد تايمة مجرد تفوق حزبي عابر، بل كان مؤشراً سوسيولوجياً يعلن تآكل الماكينة الانتخابية التقليدية. لعقود خلت، ظلت “الروابط العائلية” والولاءات القبلية وسلطة النفوذ المالي والوجاهة الاجتماعية (الأعيان) هي المحدد الرئيسي لخارطة المقاعد في عاصمة هوارة.
إلا أن نتائج سبتمبر 2026 جاءت لتكسر هذا العرف السياسي الموروث.
فحين يتربع حزب العدالة والتنمية في الصدارة بـ 5,185 صوتاً، بفارق يقارب 3,000 صوت عن أقرب مطارديه (حزب الاستقلال بـ 2,130 صوتاً)، ويتقهقر حزب التجمع الوطني للأحرار المسير للجماعة إلى المرتبة الثالثة بـ 1,589 صوتاً فقط؛ فإن القراءة السطحية التي تعزو الأمر لـ”تصويت عقابي” روتيني تبدو قاصرة. الحقيقة الكامنة وراء هذه الأرقام هي بروز كتلة ناخبة مستقلة ومسيسة، أصبحت تصوت بناءً على الموقف، الفكرة، والتنظيم، متفوقة بوضوح على “آلة الأعيان” التي تشتتت جهودها وأصواتها.
إن الاعتماد على “الدوائر المضمونة” التي يسيطر عليها مرشحون بنفوذهم العائلي لم يعد شيكاً على بياض لضمان الأغلبية.
عندما تتحول العدائية التواصلية إلى بيئة طاردة للناخبين
لا يمكن عزل التراجع الرقمي لحزب التجمع الوطني للأحرار بأولاد تايمة عن المناخ النفسي والتواصلي الذي طبع تدبير أغلبيته المسيرة؛ فالمعارك الانتخابية لا تُكسب فقط بالمشاريع، بل بمدى قدرة الحزب على الإنصات والاتساع للاختلاف.
وهنا سقط محيط الرئاسة في فخ “الراديكالية اللفظية” وضيق الصدر تجاه أي صوت منتقد، وهي الممارسة التي تحولت تدريجياً إلى سلطة عدائية موجهة ضد كل من سولت له نفسه التساؤل عن حصيلة التدبير المحلي.
إن النقد في العرف الديمقراطي هو “رأي” يُحترم ويُدرس ويُفكك لاستخراج الحلول، وليس مؤامرة تستوجب التخوين أو الهجوم الرقمي والميداني من طرف محسوبين على الحزب.
هذا الأسلوب الارتدادي أدى إلى إنكفاء صامت وهروب جماعي للكتلة الناخبة الرمادية والمستقلة، وخاصة من الفئات الشابة والمثقفة والفاعلين الجمعويين بالمدينة، الذين آثروا معاقبة هذا السلوك عبر قنوات التصويت التشريعي بعدما وجدوا أبواب الحوار الحقيقي موصدة.
الخطورة الكامنة وراء محاصرة الآراء المنتقدة امتدت لتصنع جداراً سميكاً من المديح المصطنع الذي عزل الرئيسة ومحيطها داخل فقاعة وهمية بعيدة عن نبض الشارع الهواري.
حصيلة التدبير المحلي: تبدد الحلم النسائي فوق رصيف المشاريع المتعثرة
إذا كانت العوامل السياسية والتنظيمية قد مهدت الطريق للتراجع، فإن الحصيلة التدبيرية الباهتة للمجلس الجماعي شكلت الضربة القاضية لولاية التجمع الوطني للأحرار في أولاد تايمة.
لقد دخلت السيدة نادية بوهدود التاريخ المحلي من بابه الواسع كأول امرأة تتقلد منصب رئيسة المجلس الجماعي بالمدينة، وهو الحدث الذي رافقته شحنة رمزية قوية، واستبشرت به الساكنة خيراً كعلامة على الانتقال نحو عهد جديد من التدبير العصري والتنموي.
إلا أن هذا الاستبشار الأولي سرعان ما تبدد أمام واقع تنموي مرير غلب عليه الركود وتعثر المشاريع الحيوية.
ومع مرور السنوات، وجد المواطن الهواري نفسه يواجه نفس المشاكل المزمنة؛ من ضعف شبكات الإنارة العمومية، وتدهور البنيات التحتية، وتأخر تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز، إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة تخرج المدينة من دائرة “التسيير اليومي الروتيني”.
لقد غابت البصمة التنموية الخاصة بهذه الولاية، واكتفت الأغلبية المسيرة باجترار أو استكمال مشاريع موروثة عن مجالس سابقة دون إبداع حلول ميدانية حقيقية، مما رسخ انطباعاً شعبياً بأن التغيير كان في “الوجوه والأسماء” فقط وليس في “المنهجية والنتائج”.
يتجاوز زلزال أولاد تايمة حدود تدبير جماعة محلية، ليكشف عن الوجه العاري لمعادلة “تمركز التنمية” و”مركزية القرار الحزبي” داخل منظومة التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة.
إن هذه السقطة المدوية هي في عمقها فاتورة سياسية مشتركة؛ يؤدي الحزب محلياً ضريبتها الأولى نتيجة الاحتقان الاجتماعي والسياسات الحكومية الوطنية المرتبطة بضرب القدرة الشرائية، ويؤدي ضريبتها الثانية كـ “قربان تنموي” على مذبح المشاريع الملكية الكبرى التي قادها رئيس الحزب عزيز أخنوش بمدينة أكادير.
لقد بدا للمواطن الهواري، وهو يرى الملايير تُضخ لتأهيل عاصمة الانبعاث، أن بلدية أولاد تايمة أُسقطت عمداً من الأجندة التنموية للقيادة المركزية، وتُركت لمصيرها غارقة في بؤس التسيير اليومي وفي قبضة محيط محلي يستمد شرعيته من التزكيات الفوقية لا من نبض الشارع.
إن هذا التصويت لم يكن مجرد غضب عابر، بل هو إعلان جماهيري صارم بأن زمن الولاءات العمياء وتحويل الجماعات إلى خزانات أصوات لخدمة الطموحات المركزية قد ولى؛ والرسالة الأقوى التي حملتها الصناديق على أعتاب المعركة الجماعية: “إذا كانت عاصمة سوس واجهة الحزب المضيئة، فإن هوارة لن تكون أبداً هامشاً مظلماً يدفع ثمن تلك الواجهة.























