طلبة أولاد تايمة.. متى تُطرح معاناتهم في أجندة جدول أعمال المجلس البلدي؟

kapress52 ثانية agoLast Update :
Screenshot
Screenshot

بقلم : محمد مفتاح

وأنا أتابع، بمرارة شديدة، فصول المعاناة المريرة التي عاشها ركاب محطة سيارات الأجرة بأولاد تايمة بالأمس، وفي مقدمتهم الطلبة الجامعيون الذين يواجهون بصدر عارٍ أزمة النقل ويقعون ضحية لابتزاز مفضوح ينهش جيوبهم البسيطة، حاصرني سؤال بريء وحارق: أين يغيب عنا أولئك الذين وضعنا فيهم الثقة ليمثلونا في مثل هذه المواقف الصعبة؟ إن المشهد الصادم بالطاكسيات يكشف فجوة عميقة؛ ففي الوقت الذي يتجرع فيه طالب العلم مرارة الانتظار والابتزاز في الشارع، يبدو أن “ممثل المواطن” لا يتقن دوره إلا في كواليس اجتماعات دورات المجلس الجماعي. هناك، خلف الأبواب المغلقة، يبرع البعض في أداء أدوار بطولية داخل مسرحية مخدومة تدغدغ عواطف الناخبين، بينما في المحطة يتأكد للجميع أن وعودهم الانتخابية تتبخر عند أول محك حقيقي. لا أظن أن المجلس وُجد فقط لتدبير الصفقات العمومية وتقسيم الميزانيات، بل وُجد أولاً لحماية كرامة هؤلاء الطلبة الذين يمثلون مستقبل المدينة، والذين تركهم المنتخبون بلا سند أمام جشع غياب المراقبة.

كابوس الموسم الدراسي وسيناريو “الكورصا” المفروض
إن ما يحدث في محطة أولاد تايمة ليس وليد اليوم، بل هو معضلة تاريخية تمتد لعقود خلت، وتتجدد فصولها بانتظام ككابوس مروع مع مطلع كل موسم دراسي جديد. فمع عودة الطلبة إلى مدرجاتهم الجامعية، ترفع لافتة المعاناة مجدداً، وتنشط أسواق الابتزاز التي يقع ضحيتها الطالب المغلوب على أمره. وتتعدد مظاهر هذا الابتزاز وتتخذ أشكالاً فجة؛ بدءاً من فرض تسعيرات عشوائية وخيالية تتجاوز المقررة قانوناً، وصولاً إلى المعضلة الكبرى التي باتت تؤرق جادّة الطلبة والمواطنين على حد سواء، ونقصد هنا سياسة “الكورصا” المفروضة بقوة الأمر الواقع. حيث يعمد بعض السائقين إلى الامتناع عن النقل العادي بالتعرفة القانونية للمقعد، مشترطين تحويل الرحلة الجماعية إلى “رحلة خاصة ومحتكرة”، مما يجبر الطالب على دفع ثمن السيارة كاملة أو البقاء رهن رصيف الانتظار، تحت شمس حارقة وفي مواجهة خطر التأخر عن المحاضرات والامتحانات.

المعاناة الدائرية.. حصار بين “هوارة” و”السلام”
ولا تقتصر فصول هذه الدراما اليومية على محطة هوارة بأولاد تايمة فحسب، بل إن المعاناة تتخذ طابعاً “دائرياً” يلاحق الطالب في رحلتي الذهاب والإياب. فما إن ينجو الطالب من جحيم المحطة المحلية صباحاً، حتى يجد نفسه مساءً في مواجهة سيناريو الابتزاز ذاته وبحدة أشد في محطة السلام بأكادير. هناك، في محطة العودة، تكتمل حلقة المعاناة؛ حيث يضطر الطلبة لقضاء ساعات طوال في طوابير لا تنتهي، ليصطدموا مجدداً بـمنطق “الكورصا” والمساومات التي تفرضها قلة وسائل النقل واستغلال أوقات الذروة، وسط غياب تام لأي تنسيق حقيقي بين المجالس المنتخبة في كلا المدينتين لتوفير بدائل نقل تحمي هذه الفئة الهشة.

سيارات النقل السياحي.. مسكنات موسمية وهروب إلى الأمام
ولعل أبرز دليل على عجز المجالس المتعاقبة وتخبطها في تدبير هذا الملف، هو لجوؤها المستمر إلى خيارات ترقيعية وموسمية أثبتت الأيام عقمها. فمن أمثلة هذه الحلول الارتجالية، قيام المجلس بـتخصيص سيارات للنقل السياحي لنقل الطلبة حصرياً أيام الامتحانات الإشهادية. إن هذا الإجراء، وإن كان يبدو في ظاهره إنقاذاً مؤقتاً، إلا أنه في العمق يمثل ذروة “الهروب إلى الأمام”؛ فهل يدرس الطالب الجامعي أيام الامتحانات فقط؟ وهل تختزل المعاناة اليومية والمستمرة طيلة السنة الدراسية في أسبوع أو أسبوعين من الاختبارات؟ إن هذا التدخل الحملاتي المحتشم يؤكد أن المجلس يعترف بوجود الأزمة وبوجود الابتزاز، لكنه يفضل صياغة حلول مناسباتية لامتصاص غضب الشارع وتفادي الاحتجاجات، بدل التأسيس لملف مطلبي حقيقي يضمن لطلبة أولاد تايمة حافلات نقل جامعي قارة، آمنة، وبكرامة تصون قيمتهم كصناع لمستقبل هذا الوطن.

التراخي المؤسساتي.. فوضى المحطات في غياب الردع
وأمام هذا المشهد القاتم، يبرز تساؤل جديد مشروع وحارق يضع الأجهزة الرقابية أمام مرآة مسؤوليتها؛ أين هو دور لجان التفتيش والمراقبة الأمنية داخل هذه المحطات؟ إن المسؤولية الكبرى والأولى في هذا الانفلات تقع بوضوح على عاتق السلطات الإقليمية والمحلية والمصالح الأمنية، المطالبة بقوة القانون حماية المواطنين وإنفاذ النظام. فكيف يُعقل أن يُخرق القانون جهاراً نهاراً، وتُفرض تسعيرات عشوائية خارجة عن نطاق الشرعية، دون أن تتحرك لجان المراقبة الإقليمية التابعة للعمالة لتسطير محافر المخالفة، أو تتدخل المصالح الأمنية لسحب رخص الثقة من السائقين المستغلين؟ إن هذا التراخي المؤسساتي الصادم، وغياب دوريات الحزم القارة بمحطتي هوارة والسلام، هو الذي شرعن الفوضى وجعل المحطة غابة تفرض فيها العشوائية قانونها الخاص، ليُترك الطالب وحيداً مجرداً من أي حماية رسمية تحميه من الابتزاز.

نفاق نقابي.. صمت القبور أمام جيوب الطلبة
ولا يمكن عزل هذا الفراغ الرقابي عن التواطؤ الصامت والهزيل للمهنيين أنفسهم. وهنا يظهر التناقض الصارخ والازدواجية الفجة في مواقف الجمعيات والهيئات النقابية لقطاع سيارات الأجرة؛ تلك الإطارات التي تقيم الدنيا ولا تقعدها، وتملأ الشوارع صراخاً واحتجاجاً وتلجأ للإضرابات عند كل زيادة طفيفة في أسعار “الغازوال” دفاعاً عن مصالحها المادية، نراها اليوم تلوذ بصمت القبور وتغض الطرف عن الابتزاز الذي يُمارس تحت غطائها ضد فئة هشة كالطلبة. إن هذا الصمت المريب من طرف الهيئات المهنية، وتخلي السلطات الرسمية عن أدوارها الضبطية والزجرية، هو التحالف غير المعلن الذي جعل الطالب البسيط الحلقة الأضعف، والضحية المستباحة في رحلة البحث اليومية عن حقه في التعليم.

كرامة الطالب أولاً.. نحو حلول جذرية وقاطعة
إن أزمة النقل الجامعي بأولاد تايمة لم تعد مجرد مشكلة تنظيمية عابرة أو خلل لوجيستي بسيط يمكن ترقيعه بالحلول الموسمية والمناسباتية؛ بل تحولت بوضوح إلى قضية كرامة وحق إنساني أساسي يمس مصير ومستقبل المئات من طلبة الإقليم. إن طالب العلم اليوم ليس بضاعة تُشحن، ومن أبسط حقوقه المشروعة أن يجد وسيلة نقل آمنة وكريمة في الوقت الذي يراه هو مناسباً للتنقل والتزاماً بجدوله الدراسي، وليس أن تُفرض عليه أوقات تنقل محددة مسبقاً تقيد حريته وتجعله رهيناً لظروف لا تناسب التزاماته الجامعية.
بناءً على هذا المنطلق، لم يعد مقبولاً من المجلس الجماعي والسلطات الإقليمية الاستمرار في دور المتفرج أو الاكتفاء بـ’مسكنات الامتحانات’ المؤقتة. إن المطلوب اليوم هو الانتقال الفوري نحو حلول جذرية وقاطعة؛ تبدأ بـتفعيل صارم ودائم للجان المراقبة والأمن داخل المحطات لقطع دابر الابتزاز وسحب رخص الثقة من المخالفين، وتتوج بـفتح قنوات شراكة إستراتيجية وحقيقية مع شركات النقل الحضري لتوفير خطوط حافلات مباشرة، منتظمة، وتغطي كافة الأوقات والاحتياجات اليومية للطلبة بأثمنة تناسب قدرتهم الشرائية. لقد شبع المواطن الهواري من مسرحيات الدورات ووعود الصالونات، وحان الوقت لتتحول القرارات إلى واقع ملموس يحفظ للطالب حريته وكرامته وللمدينة هيبتها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News