عبد اللطيف وهبي.. بين حقيبة العدل الحارقة وطموح كرسي رئاسة البرلمان

kapressدقيقتان agoLast Update :
عبد اللطيف وهبي.. بين حقيبة العدل الحارقة وطموح كرسي رئاسة البرلمان

محمد مفتاح

في الوقت الذي تحبس فيه الرباط أنفاسها ترقباً لملامح التغيير الحكومي المرتقب، يظل الكرسي الوثير لوزارة العدل محور الرهانات والأكثر إثارة للجدل؛ فبينما تُشير كواليس الصالونات السياسية إلى طموح عبد اللطيف وهبي في مغادرة “حقل الألغام التشريعي” بباب الرواح صوب منصة رئاسة البرلمان، تبرز في الأفق فرضية بقائه على رأس الوزارة كخيار استراتيجي مطروح بقوة. هذا السيناريو المحتمل، وإن لم يحمل الطابع الرسمي بعد، يطرح علامات استفهام حارقة حول فلسفة الدولة في تدبير الزمن التشريعي؛ فهل يكمن الرهان في تثبيت الرجل لإتمام هندسة الأوراش الكبرى التي أطلقها من القانون الجنائي إلى المسطرة الجنائية؟ أم أن حسم بقائه سيعني مواجهة مفتوحة مع قطاعات مهنية باتت ترى في وجود وهبي عنواناً للاحتقان؟.

معركة كسر العظام.. كلفة الصدام التاريخي مع أصحاب البذل السوداء
لم تكن الممانعة الشرسة التي أبداها المحامون مجرد احتجاج تقني على شروط ولوج المهنة أو بنود المسطرة المدنية، بل كانت معركة وجودية حول “الاستقلالية” والدفاع عن سلطة القرار المهني في مواجهة وصاية الوزارة. هنا، تبرز المقاربة الهجومية للوزير التي لم تتردد في خوض مواجهة مفتوحة مع أصحاب البذل السوداء، واضعةً إياهم أمام الأمر الواقع بعد نشر القانون رقم 66.23 في الجريدة الرسمية. هذا المنحى يُظهر أن الدولة، وفي حال تزكيتها لاستمرار الرجل، مستعدة لتحمل “كلفة الصدام” لفرض العصرنة وتنظيم المهن القضائية بقوة القانون، مراهنةً على أسلوبه الصارم لإنهاء زمن الامتيازات الفئوية داخل ردهات المحاكم.

مربع مدونة الأسرة وسقوف “الجرأة” الحداثية تحت مقص الثوابت
على جبهة القيم والتشريع المجتمعي، أخذ النقاش منحى مغايراً تماماً؛ فاندفاعة وهبي ذات النفَس الحداثي الجريء، والتي حركت المياه الراكدة في قضايا زواج القاصرات والولاية والإرث، سرعان ما ارتطمت بخصوصية وثقل المجتمع المغربي. هنا، لم يكن الوزير في مواجهة قطاع مهني، بل في مواجهة استقطاب إيديولوجي حاد مع تيار محافظ يقوده الإسلاميون. وفي هذه النقطة بالذات، ظهرت كوابح الدولة الصارمة؛ حيث سُحب الملف برمته من المزايدات الحزبية الضيقة ليُوضع تحت المظلة الملكية المباشرة وبتنسيق مع المجلس العلمي الأعلى. وبالتالي، فإن بقاء الوزير في منصبه لا يعني تفويضاً لفرض قناعاته الشخصية، بل تحويل حقيبته الوزارية إلى مجرد جهاز تنفيذي لتنزيل “صيغة توافقية وطنية” تحمي الأسرة وتلتزم بالثوابت الروحية للمملكة.

مأزق الفصول الحارقة.. تعثر “الثورة الجنائية” في ردهات التوافق السياسي
أما في الشق الجنائي، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيداً وفصلاً بين الإنجاز العملي والتعثر السياسي. من جهة، يسجل لوهبي نجاحه في إخراج قانون “العقوبات البديلة” (كالقيد الإلكتروني والغرامات اليومية) كورش ثوري حظي بإشادة حقوقية واسعة لإنهاء أزمة الاكتظاظ بالسجون. ومن جهة أخرى، يظل النص المتكامل للقانون الجنائي والمسطرة الجنائية حبيس التردد، نظراً لحساسية الفصول المتعلقة بالحريات الفردية والعلاقات الرضائية. هذا التباين يوضح أن الدولة بحاجة إلى “جرأة” وهبي لتفكيك التركات القانونية القديمة وضمان المحاكمة العادلة، لكنها في الآن ذاته تضبط إيقاعه وتفرمل اندفاعه التشريعي لضمان حد أدنى من الانسجام والتوافق السياسي داخل الأغلبية الحكومية نفسها.

طموح العدالة الرقمية في مواجهة “فيتو” المحكمة الدستورية
بعيداً عن صخب السياسة والإيديولوجيا، يمثل مشروع “المحكمة الرقمية” الواجهة التقنية البراغماتية في أجندة الوزارة، حيث سعت إلى كسر البيروقراطية التقليدية ونقل العدالة إلى العصر الحوسبي الشامل وتأهيل الأرشيف. ومع ذلك، واجه هذا الطموح التكنولوجي نوعين من المقاومة: عقلية إدارية محافظة تألفت مع العصر الورقي، وغربلة دستورية صارمة؛ حيث تلقت الوزارة صفعة قانونية من المحكمة الدستورية التي أسقطت مقتضيات رقمية في المسطرة المدنية اعتبرتها تمس بحقوق المتقاضين. هذا التطور يؤكد أن المسار التشريعي للدولة محكوم بمؤسسات حامية للدستور، ترسم خطاً فاصلاً بين رغبة الوزير في حرق المراحل وعصرنة الإدارة، وبين ضرورة صيانة الأمن القانوني للمواطنين.

وهبي قائد لقطار الإصلاح أم مجرد واجهة لتلقي الضربات؟
تأسيسًا على ما سبق، يتبدى مشهد العدالة في المغرب كحقل تجاذبات معقد يُدار بمنطق المصالح والتوازنات الصارمة؛ فبين طموح سياسي شخصي لـ “وهبي” يرى في رئاسة البرلمان طوق نجاة من الصخب، وبين حسابات دولة قد تجد في أسلوبه الهجومي “مطرقة” ضرورية لتهشيم قوالب الجمود التشريعي، يبقى قرار التعديل الحكومي الرسمي معلقاً على مقصلة التوازنات الكبرى. ويجب أن نعترف، لقد نجح الرجل في تحريك مستنقع القوانين الراكدة، لكنه ترك خلفه حقولاً من الألغام المشتعلة مع المحامين، واصطدم بسقوف قناعاته في مدونة الأسرة والقانون الجنائي تحت وطأة التحكيم المؤسساتي وغربلة المحكمة الدستورية. إن فرضية الإبقاء على وهبي في موقعه –إن تحققت رسمياً– لن تكون تزكية مطلقة لخرجاته، بل ستكون بمثابة إعلان صريح من الدولة بأن معركة تحديث العدالة هي مواجهة سيادية ومؤسساتية قسرية حُسم قرار خوضها إلى النهاية، وأن الوزير المثير للجدل ليس سوى الواجهة التكتيكية لتلقي الضربات وتأمين العبور الآمن لإصلاحات حارقة لا تحتمل رفاهية هدر الزمن.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News