بين واجبات الشرطة الإدارية ووهم المكرمة الحزبية: ماذا وراء تبجح التبريريين في أولاد تايمة؟

kapress18 دقيقة agoLast Update :
بين واجبات الشرطة الإدارية ووهم المكرمة الحزبية: ماذا وراء تبجح التبريريين في أولاد تايمة؟

بقلم : محمد مفتاح

تخضع ردود الأفعال التي تلت إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بأولاد تايمة لـ”تمرين نفسي وسياسي” مثير للشفقة؛ تمرين يحاول بائساً حجب حقيقة الأرقام الصادمة خلف لافتات التباهي بالمنجزات المحلية والمشاريع التنموية. إن المحاولات الجاهدة لبعض الجهات لليّ عنق الحقيقة، ومقايضة خيارات الساكنة بالمنشآت والبنية التحتية، تكشف عن أزمة حقيقية في فهم كنه المواطنة والوعي السياسي لساكنة “هوارة”. فمن يحاول اليوم أن يقنعنا بأن حقوقنا الدستورية الطبيعية قد أصبحت مجرد “مشاريع إحسانية” يستحق ويُفرض عليها التصفيق، عليه فوراً أن يعيد ضبط خيوط طبلته التي يطبل عليها؛ لأن النغمة التي يعزفها لم تعد تطرب ناخباً ذكياً يعرف جيداً كيف يفصل بين حق التنمية كواجب مفروض على مدبري الشأن العام، وبين شيك سياسي على بياض رُفض منحه في صناديق الاقتراع.
إن جوهر الأزمة في هذا الخطاب التبريري يكمن في خلط مفاهيمي يتعمد تسويق المرفق العام كأعطية حزبية؛ فالشوارع المعبدة وقنوات التطهير والإنارة ليست هدايا تُمنح للساكنة ليردوا عليها بـ”جميل الأصوات”، بل هي نتاج طبيعي لضرائب المواطنين وميزانيات الدولة. وبالعودة إلى مقاصد المشرع المغربي في القانون التنظيمي رقم 113.14، نجد أنه لم يجعل من رئيس المجلس الجماعي “صانع معجزات” أو “مُحسناً كبيراً”، بل وضعته الوثيقة القانونية في رتبة المدبر الملزم بإنفاذ القانون؛ حيث منحه المشرع اختصاصات حصرية في إطار الشرطة الإدارية الجماعية، وجعل على عاتقه مسؤولية مباشرة في الحفاظ على النظام العام المحلي بمفهومه الشامل: السكينة العمومية، الصحة العمومية، والسلامة المرتبطة بالمرافق.
وبموجب المادة 110 وما يليها من القانون التنظيمي، يجد رئيس الجماعة نفسه بقوة القانون مسؤولاً عن السهر على السكينة العمومية عبر تنظيم السير، ومحاربة الضجيج، وضبط الفضاءات العامة لراحة الساكنة، طالما أنه مطوق أيضاً بمسؤولية الصحة العمومية لتأمين سلامة الأغذية، ومراقبة النظافة، وتدبير النفايات. وتصوير هذه اللائحة من الواجبات المُمولة من جيوب المواطنين كـ”إنجازات استثنائية” تستوجب التباكي، يعكس فخاً استعلائياً عاقبته الصناديق؛ فالقيام بمهام حفظ الصحة والسكينة هو الحد الأدنى لشرعية وجود أي مجلس، وفشل الخطاب المحلي في تقديم إجابات حقيقية لمعضلات البطالة والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية، هو ما عجل بكبوة الأرقام التي لن يرممها الضجيج مهما علت شدته.
إن صناديق الاقتراع بأولاد تايمة لم تكن بحاجة إلى “اسفلت إضافي” بقدر ما كانت تصرخ من أجل قضايا تمس كرامة الإنسان الهواري في معيشه اليومي. الساكنة حين منحت أصواتها، تعاقدت مع الأغلبية المسيرة من أجل مشاريع استثمارية حقيقية تنتشل شباب المدينة من هاوية البطالة التي أغرقت المنطقة في معضلات اجتماعية وبيئية خانقة. لقد كان تعاقداً صريحاً من أجل الحماية من جشع بعض التجار، ومن الممارسات والانتهاكات الإدارية التي يتعرض لها المواطن يومياً؛ ولكل من يتبجح اليوم بالإنجازات، نسوق له أنين الواقع: اسألوا مرضى أحياء “بوخريص” و”الحريشة” عما يلاقونه من إهمال ومأساة داخل مستوصف بوخريص، واسألوا أولياء أمور التلاميذ في بعض المؤسسات التعليمية، بل واسألوا عن السلوكيات الاستعلائية لبعض موظفي الإدارات العامة. هذا هو العمق الذي صوتت الساكنة لتغييره، وحين عجز المدبر عن حماية كرامة المواطن، تلاشت “بروباغندا الواجهات”.
ولا يمكن قراءة ردود الأفعال البائسة بأولاد تايمة دون تفكيك أدواتها الترويجية في الفضاء الأزرق؛ حيث طفت جوقة من “المؤثرين” المحليين الذين يعمدون إلى شراء متابعين وهميين وتجييش حسابات مستعارة لتقديم أنفسهم كحشد شعبي خلف الماكينات الانتخابية المنكسرة. هؤلاء الانتهازيون الذين يطبلون بدافع الظفر بـ”قضمة من الكتف” الغنيماتي، يعيشون ويعيش معهم من يثق بهم في عزلة تامة عن نبض الشارع؛ فمن يثق اليوم في تصفيقات هؤلاء وتطبيلاتهم الرقمية، إنما يسبح في خواء مطلق، فلا مرجع يستند إليه ولا مرجان يجنيه. إنهم يبيعون الوهم لمن يريد أن يصدق أن الإشادة الافتراضية يمكن أن تعوض السقوط الواقعي في اختبار الصناديق.
ولعل المقارنة التي تكشف بؤس هذه الكائنات الرقمية، هي تلك الهوة السحيقة بينهم وبين صناع المحتوى الحقيقيين؛ ولنا في تجربة الشاب أسامة باريك (ابن ميدلت) خير مثال وعبرة. فهذا الشاب الذي انطلق بهاتف بسيط من رحم الهامش ليعبر بعفوية عن أنين الدواوير ومطالب “ولاد الشعب”، استطاع تحويل التعاطف الرقمي الصادق إلى اكتساح حقيقي في الصناديق أطاح بأباطرة السياسة. إن “ابن ميدلت” أثبت أن القوة الحقيقية تولد من عمق المعاناة لا من خوارزميات الابتزاز، وأن آلاف الحسابات الوهمية بأولاد تايمة لن تتحول يوماً إلى أصوات حقيقية، لأن الوعي الانتخابي للهواريين عصي على التزييف.
وختاماً، إن الدرس البليغ الذي قدمته أولاد تايمة في هذه المحطة الانتخابية هو أن زمن الاستخفاف بذكاء المواطن قد ولى إلى غير رجعة. فالهروب إلى الأمام بـ”التبجح الإنجازي”، أو الاختباء خلف مهام إدارية وقانونية عادية كالصحة والسكينة، لن يرمم تصدعات الثقة السياسية التي انكسرت. ولعل من الأمانة الفكرية والصحفية التأكيد على أن دوافع سطور هذا المقال لا تنطلق من رغبة في التبخيس، أو محاولة لوضع العصا في العجلة أمام أي تدبير حالي أو قادم؛ بل هو قراءة تحليلية نقدية رصينة لتجربة تسييرية بلغت نهايتها ووضعت أوزارها، فُرِضت علينا من منطلق “الغيرة الصادقة” على مدينة أولاد تايمة. “هوارة” تستحق دائماً الأفضل؛ تستحق نخباً تدبر شؤونها بروح المسؤولية الوطنية والتعاقد الحقيقي، لا بمنطق المِنّة والبروباغندا الجوفاء. لقد أسقطت الصناديق أوراق التوت، ووضعت الجميع أمام حقيقة واحدة: التنمية حق دستوري والكرامة خط أحمر، ومن يعجز عن صون كرامة الهواريين في معاشهم وصحتهم وإداراتهم، فلن تشفع له “بروباغندا الزفت” ولو طبل لها المطبّلون دهراً.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News