بقلم : محمد مفتاح
بين قفشات “الريلز” الساخرة والمشادات الكلامية الساخنة المنقولة على الهواء مباشرة، يتابع الشارع المغربي اليوم بشغف غير مسبوق جلسات مؤسستنا التشريعية؛ بعد أن ساد الاعتقاد لقرابة عقد من الزمن بأن قبة البرلمان تحولت إلى مجرد “غرفة تسجيل مريحة” تضمن فيها الأغلبية العددية تمرير القوانين في صمت ورتابة تامين. هذا الانبعاث المفاجئ للحيوية السياسية، والصعود اللافت لنقاشات حامية تتقاذفها الأغلبية والمعارضة، يضعنا أمام مفترق طرق تحليلي يتأرجح بين التفاؤل والتشكيك: هل نعيش مخاض حيوية ديمقراطية صحية تعيد الاعتبار للمؤسسات وتجعل من وعي المواطن مصفاة وحكماً لفرز الغث من السمين؟ أم أننا مجرد شهود عيان على فضاء استعراضي جديد جرى تفصيله على مقاس “الشعبوية الرقمية” والبحث عن “البوز”، في وقت يترقب فيه جيب المواطن وقدرته الشرائية حلولاً تشريعية ملموسة لا خطابات رنانة تحتمل التموقع في صراعات الماضي وإغفال معارك الحاضر؟
المواطن حَكماً في ساحة الحراك الافتراضي
لا يمكن قراءة هذا الانبعاث المفاجئ تحت قبة البرلمان دون الاصطدام بجدلية حارقة تفرض نفسها على كل متتبع؛ هل نحن أمام صحوة ديمقراطية حقيقية أم مجرد موجة جديدة من الشعبوية الرقمية؟ من الجلي أن المشادات الساخنة والردود التلقائية العفوية قد منحت الجلسات جاذبية افتقدناها لسنوات، لكنها في الآن ذاته فتحت الباب على مصراعيه لـ”صناعة المحتوى السياسي” اللاهث وراء “الترند” وعيون الكاميرات. ومع ذلك، فإن هذا الحراك المثير للجدل يظل في عمقه ظاهرة صحية ومطلوبة؛ فخروج السجال إلى العلن، وبثّه بشكل مباشر، ينقل المعارك السياسية من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
والرهان الحقيقي هنا لا يسقط في فخ هذه البروباغندا، بل يرتكز بالأساس على وعي المواطن المغربي الذي تحول بفعل هذا الانفتاح الرقمي من متلقٍ سلبي إلى حَكَم لبيب. إن هذا الوعي المتنامي بات يمثل “المصفاة” الكفيلة بغربلة الخطاب السياسي وتصفية الآراء؛ فالمواطن اليوم يملك من الذكاء ما يكفي لتمييز الصواب من الخطأ، ومعرفة من يدافع بحق عن قضاياه الحارقة وعلى رأسها قدرته الشرائية، ومن يستغل منصة البرلمان لمجرد حصد المشاهدات والمزايدات الفارغة.
طواحين الهواء وهوس النبش في الدفاتر القديمة
وفي خضم هذا المخاض التشريعي الجديد، يسقط خطاب المعارضة البرلمانية في فخ بنيوي كاد أن يحول حركيتها إلى معارك دونكيشوتية تطحن طواحين الهواء؛ وهو الغرق في “جلد الماضي” واجترار صراعاته على حساب وقائع الحاضر ومعاش المواطن. إن من حق فرق المعارضة، بل من صميم واجبها الدستوري، إعمال مبدأ المحاسبة والنبش في مسببات الأزمات التراكمية، لكن ليس لدرجة التموقع في التاريخ والتحول إلى رهينة لولاية تشريعية انقضت، غافلةً عن جردة الحساب الآنية التي يفرضها اليوم قصف الأزمات المتتالية.
المواطن المغربي الذي يتابع هذه الجلسات لم يعد يعنيه التلاسن حول تركات الحكومات السابقة بقدر ما تعنيه الإجابات الواقعية عن قضاياه الحية والمرتبطة بجيوبه وقدرته الشرائية المخنوقة تحت وطأة التضخم والغلاء. إن ممارسة المعارضة لـ”الواقعية السياسية” تقتضي التقييم والتصدي لما هو كائن اليوم من قرارات ومخططات تسنها الحكومة الحالية، وتقديم بدائل تشريعية ملموسة وقابلة للتطبيق، بدل إغراق زمن الجلسات في متاهات ومزايدات هامشية لا طائل منها، لأن التاريخ التشريعي لن يحفل بمن أجاد البكاء على الأطلال، بل بمن ملك جرأة صياغة حلول الحاضر.
من الضبط العددي إلى ميثاق الصرامة التشريعية
إن هذا الحراك البرلماني الجديد، بملفاته الحارقة الممسكة بتلابيب القدرة الشرائية وجيب المواطن، لا يمكن أن يستقيم دون مراجعة جذرية لآليات تسيير المؤسسة التشريعية؛ فرئاسة البرلمان مطالبة اليوم بالانتقال من منطق “الضبط السلبي” والانحياز غير المعلن للأغلبية العددية، إلى مربع “التدبير الديمقراطي المحايد” الذي يحمي حقوق المعارضة ويرتقي برصانة النقاش. هذا التحول لن يتحقق بالشعارات، بل يمر حتماً عبر مدخله الدستوري الإلزامي: تخليق القانون التنظيمي والنظام الداخلي للبرلمان، ليكون بمثابة الهندسة القانونية الصارمة التي ترسم قواعد اللعبة السياسية وتفرض مدونة السلوك والأخلاقيات.
إن الحاجة اليوم تبدو ملحة لجيل جديد من القوانين تتميز بالصرامة والوضوح، وتقطع الطريق على “منهجية التأويل الفضفاض” التي لطالما شكلت ثغرة بنيوية تسمح بالتلاعب بمساطر التنفيذ وتعطيل جوهر التشريع. فالقوانين ليست نصوصاً جامدة، لكنها يجب ألا تظل مطاطية تحتمل وجوهاً متعددة يسهل استغلالها؛ بل يجب أن تصاغ بعبارات جازمة ومغلقة تحد من السلطة التقديرية في مواطن التنفيذ الحسم، لضمان تنزيل حقيقي وسليم يخدم المواطن أولاً وأخيراً، ويحول دون إفراغ النص القانوني من هيبته وجدواه.
وعي المجتمع هو الكلمة الفصل
في نهاية المطاف، يبقى انبعاث الحيوية وعودة الروح إلى قبتنا التشريعية خطوة أولى وإيجابية في مسار تراكمي طويل، لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بالأثر الملموس والترجمة الفعلية في حياة الناس. إن المحك الحقيقي لنجاح هذا الحراك ومصداقيته لن يقاس يوماً بحجم مشاهدات “الريلز” على منصات التواصل الاجتماعي، ولا بعدد السجالات والملاسنات العنيفة، بل سيقاس بحصيلة تشريعية صارمة تحمي جيب المواطن وتصون قدرته الشرائية، وبمنظومة قانونية مخلقة تقطع الطريق على الثغرات والتلاعبات المسطرية.
إن المواطن المغربي اليوم، الذي يتابع هذا المشهد السياسي المتجدد، يملك من النضج والوعي ما يجعله المصفاة الحقيقية والحكم الأخير؛ فهو كفيل بفرز البدائل الحقيقية من المزايدات الشعبوية الفارغة. ولن يذكر التاريخ من هذه الولاية البرلمانية من أجاد فن الخطابة أو صناعة “الترند”، بل سيذكر فقط من ملك شجاعة الموقف، ورصانة المضمون، وجعل من القبة البرلمانية حصناً حقيقياً للدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين.























