عقود من الهدر التقليدي أم ولاية انتدابية للتجريب؟لماذا يخشى الناخب الهواري كفاءة شبابه؟

kapress3 دقائق agoLast Update :
عقود من الهدر التقليدي أم ولاية انتدابية للتجريب؟لماذا يخشى الناخب الهواري كفاءة شبابه؟

مقال رأي للكاتب : محمد مفتاح

على مدار عقود، ظلت سيكولوجية الفعل الانتخابي في منطقة هوارة محكومة بحتمية اقتصادية واجتماعية جامدة، تروج لفكرة أن “المنطقة فلاحية إقطاعية بطبعها، ولا مكان فيها لطموح الشباب أو ريادة الفكر”.

غير أن هذه النظرة التبخيسية تتهاوى أمام حقيقة فلسفية وميدانية عشنا تفاصيلها في أزقة أولاد تايمة؛ ومفادها أن الإنسان هو الذي يصنع طبيعة المكان وليس العكس.
فكما نجح جيل من الشباب، قبل عقدين من الزمن، في تحويل هذه الأرض من مجرد مركز لإنتاج الحوامض إلى واجهة ثقافية ومسرحية مغربية بامتياز ـ مُجبرين من حاربوهم بالأمس على الارتماء في أحضان تظاهراتهم اليوم للتسويق لأنفسهم ـ فإن المعركة السياسية الراهنة لا تختلف كثيراً.
إن المشهد الحزبي المحلي يزخر اليوم بأطر شابة وكفاءات عالية تستحق فرصة القيادة في مختلف المواقع، مما يضعنا أمام سؤال حارق: إذا كان الشباب قد نجحوا في قيادة الثورة الثقافية وتغيير هوية المكان، فما الذي يمنعهم من انتزاع ريادة المشهد السياسي وتحرير صناديق الاقتراع من وصاية الأعيان؟.

وهم “الحتمية الفلاحية” وتجربة الانبعاث الثقافي
لم تكن البدايات الأولى للفعل الثقافي والمسرحي في أولاد تايمة مجرد رغبة في اعتلاء الخشبة، بل كانت معركة حقيقية لتفكيك خطاب “التبخيس الهيكلي” الذي ضرب سياجاً عازلاً حول عقول الساكنة.
في ذلك الوقت، كان الجواب الجاهز الذي يواجه به الأعيانُ والنخب التقليدية كل طموح شبابي هو: “هوارة منطقة فلاحية، وعقليتها فلاحية إقطاعية، فما حاجتنا بالمسرح والثقافة؟“.

كان هذا الخطاب يخفي وراءه رغبة ضمنية في إبقاء المنطقة مجرد خزان لليد العاملة الرخيصة والتبعية الاقتصادية، لأنهم يدركون جيداً أن الفن والوعي هما العدو الأول لمنطق السيطرة والوصاية.
لكن منطق التاريخ يؤكد أن “الإنسان هو الذي يصنع طبيعة المكان وليس العكس”. وبفضل إصرار جيل كامل من الشباب الجمعوي والمسرحي، الذي قاوم شح الإمكانيات وحرب التهميش على مدار عقدين من الزمن، فرضت أولاد تايمة نفسها كواجهة وثقلاً ثقافياً مغربياً بامتياز.
هذا التحول الجذري لم يغير فقط ملامح المدينة، بل أحدث زلزالاً في سيكولوجية النخب التقليدية؛ فأولئك الذين كانوا بالأمس يبخسون عمل الشباب ويرونه ترفاً زائدا، هم أنفسهم اليوم من يتسابقون ويرتمون في أحضان التظاهرات الثقافية الكبرى للمدينة.
إن هذا “الركوب على الموجة” والتهافت لتصدر المشهد الثقافي ليس إيماناً منهم بالرسالة النبيلة للمسرح، بل هو محاولة انتهازية مكشوفة لسرقة الرأسمال الرمزي الذي صنعه الشباب بعرقهم، واستغلاله كمنصات مجانية للتسويق السياسي وتلميع صورهم الآفلة أمام الناخبين.

جزر الكفاءة المعزولة.. أزمة “مصعد” لا أزمة “أطر”
تُحاول النخب التقليدية تبرير إقصاء الشباب من مراكز القرار السياسي بترويج أسطوانة مشروخة تدعي “غياب الكفاءة” أو “نقص التجربة لدى الجيل الجديد”. غير أن الاحتكاك الميداني بالنسيج الجمعوي والحزبي في أولاد تايمة وخارجها يكشف زيف هذه الادعاءات؛ فالواقع يؤكد أن كل الأحزاب السياسية، على اختلاف توجهاتها وإيديولوجياتها، تزخر اليوم بأطر شابة عالية التكوين، من مهندسين، وأطباء، وأساتذة، وفاعلين ميدانيين يملكون غيرة حقيقية ورؤية تنموية واضحة للمنطقة.
والواقع الميداني يقدم لنا شهادات حية ونماذج ملموسة لشباب أثبتوا كفاءة عالية وتفوقاً واعداً في عدة محطات ومواقع تدبيرية، وهي نماذج ساطعة نترفع عن ذكر أسمائها أو تلوينها سياسياً ولن نذكر أسماء لكي لا يُحسب كلامنا هذا تطبيلاً أو انحيازاً لجهة دون أخرى، فالغاية هي الانتصار لقضية جيل بأكمله وليس التسويق لجهة بعينها.

إن المشكلة الحقيقية، إذن، لا تكمن في قلة الكفاءات الشابة، بل في غياب “المصاعد السياسية” العادلة داخل هذه الدكاكين الحزبية.

لقد تحولت هذه الطاقات الشابة إلى ما يشبه “جزر كفاءة معزولة” تخضع لعملية “استقطاب ديكوري” ممنهج من طرف القيادات التقليدية. حيث يتم استغلال الرأسمال الثقافي والرمزي لهؤلاء الشباب لتزيين واجهة الأحزاب وإعطائها شرعية حداثية أمام الرأي العام، واستخدامهم كقوة حاشدة في اللجان التنظيمية أثناء الحملات.
لكن، وبمجرد الاقتراب من المحطات الانتخابية الحاسمة وتوزيع التزكيات، تُشهر “ديناصورات” السياسة سلاح المال والنفوذ القَبلي، ويتم إنزال الشباب إلى أسفل اللوائح لتأثيث المشهد، لصالح أصحاب “الشكارة” والمستفيدين من الوضع القائم.
هذا الحصار التنظيمي يزداد تعقيداً بسبب تفتت جهود الشباب وتوزعهم على دكاكين سياسية متعددة، حيث يُستدرجون لصراعات بين حزبية ضيقة تخدم في نهاية المطاف نفس الوجوه القديمة، مما يفرض الحاجة الملحة لوعي مشترك يتجاوز الألوان الحزبية لوضع حد لهذه الوصاية.

سيكولوجية الناخب الهواري.. لماذا يتردد المواطن العادي في التصويت للشباب؟

إذا كان كسر جدار التبخيس الثقافي قد تم بنجاح، فإن كسر الجدار الانتخابي يتطلب غوصاً عميقاً في بنية تفكير المواطن الهواري العادي.
إن عزوف هذا المواطن البسيط عن منح صوته للشباب لا ينبع بالضرورة من كراهية لهم، بل هو نتاج “ثقافة انتخابية براغماتية” تشكلت عبر عقود من الزمن تحت ضغط الحاجة وغياب بدائل التنمية الحقيقية، ويمكن حصر خلفياتها في نقاط ثلاث:
أولاً، يرى الناخب العادي في الهيئات السياسية مجرد “قنوات لقضاء المصالح الشخصية واليومية”، وليس منصات لإنتاج البرامج التنموية.
في المخيال الشعبي المحلي، يُربط المنتخب بالقدرة على “الوساطة”؛ أي التدخل لدى السلطات، حل النزاعات، التوظيف، أو تقديم الدعم المادي المباشر في المناسبات الاجتماعية.
وبما أن الشاب الكفء، في الغالب، لا يملك النفوذ القبلي ولا المال الوفير، فإن الناخب يراه كعنصر “أعزل” يفتقر لوسائل تنفيذ هذه الخدمات، فيفضل التصويت لـ”الأعيان” الذين يملكون شبكات نفوذ جاهزة ومجربة.

ثانياً، يخضع الشباب في هوارة لمنطق التقييم القبلي الصارم وأحكام القيمة الجاهزة، من قبيل أنه “لا يستطيع”، ويفتقر إلى “الخبرة والأهلية” لإدارة الشأن المحلي.
وعندما تواجه الناخب بالمساءلة المنطقية: كيف للشاب أن يكتسب هذه الخبرة إذا لم نمنحه مشعل التجربة وفرصة الممارسة؟ يأتي الجواب التقليدي سريعاً ومبرراً: ‘لسنا مستعدين لإهدار ولاية انتدابية كاملة من ست سنوات لكي نجرّب فيها شاباً!’.
وهنا يبدو الرد بسيطاً ومفحماً في آن واحد؛ فإذا كانت ست سنوات من تجربة الشباب تثير مخاوفكم، فماذا عن العقود الطويلة التي أهدرتها المنطقة في ظل المجالس التقليدية المتعاقبة؟ مالذي تحقق طيلة تلك الأحقاب سوى التنمية المعطلة والوعود المتبخرة؟ إن التذرع بنقص الخبرة ليس سوى غطاء نفسي للتهرب من التغيير، لأن حقيقة الأمر تؤكد أن خبرة الأعيان التي يتحدثون عنها لم تكن سوى “خبرة في إعادة إنتاج الجمود“، بينما يملك الشباب اليوم طاقة حيوية وقدرة على التعلم السريع تكفي لصناعة الفارق في بضعة أشهر متى توفرت الإرادة.
ثالثاً، هناك أزمة ثقة عميقة ومتراكمة يتذرع بها الناخب العادي، مبرراً ذلك بأن بعض الشباب الذين ولجوا معترك التسيير سابقاً سرعان ما ساروا على نهج النخب القديمة.
لكن القراءة السطحية لهذا الواقع تظلم هؤلاء الشباب؛ فالسبب الحقيقي لا يعود لانتهازية جينية فيهم، بل لكونهم واجهوا “آلة تحكم تقليدية خطيرة” فرضت عليهم مسايرة النهج القائم عبر استراتيجيتين خبيثتين: إما الإغراء والاستقطاب الناعم لإدخالهم في دوامة المصالح الضيقة، أو التخويف والحصار الإداري والسياسي لإفشالهم وإظهارهم بمظهر العاجز أمام الساكنة.
إنها منظومة جهنمية صُممت لابتلاع أي نفس تجديدي؛ فإما أن تركع لشروط الأعيان وتصبح جزءاً من الماكينة، أو يتم سحق طموحك السياسي وتشويه صورتك أمام من وضعوا الثقة فيك، وهو ما يجعل الشباب اليوم في حاجة إلى حصانة مجتمعية تحميهم من بطش هذه الآلة.

من تذوق الفن إلى الوعي بالصندوق.. صرخة أمل هوارية.
إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد انتقاد دكاكين السياسة، ليتعلق بكيفية الانتقال بـ”الإنسان الهواري” من مرحلة تذوق الفن والإبداع إلى مرحلة الوعي النقدي أمام صندوق الاقتراع. فالجمهور العريض الذي يملأ قاعات العروض والتظاهرات الكبرى بأولاد تايمة، والذي يملك من النضج ما يجعله يميز بين الفن الحقيقي والابتذال، هو نفسه الكتلة الناخبة القادرة على التمييز بين البرامج التنموية الجادة والشعارات الانتهازية الخادعة.

لقد حان الوقت لتحويل هذا الوعي الثقافي والجمالي إلى قوة تصويتية واعية، تنظر إلى الورقة الانتخابية كمسؤولية تاريخية لصناعة التغيير، وكتصريح لضخ دماء شابة وجديدة في شرايين التدبير المحلي بعيداً عن ثقافة التبعية والوصاية.

من هنا، نطلقها صرخة أمل مدوية في وجه كل المترددين والمشككين: إن التغيير السياسي في أولاد تايمة ليس مستحيلاً، بل هو مسألة وقت وإصرار وعزيمة صلبة لا تلين. إن المعركة السياسية الراهنة لتحرير القرار المحلي تشبه تماماً تلك المعركة المسرحية والثقافية الشرسة التي خضناها كشباب قبل عقدين من الزمن؛ حيث بدأنا من نقطة الصفر وسط التبخيس ومحاولات الإحباط، وانتهينا بفرض واقع مشرق جعل المدينة وجهة ثقافية وطنية بامتياز.
وكما انحنت النخب التقليدية بالأمس أمام نجاحات الشباب الثقافية، فإن الآلة الانتخابية للأعيان ستنحني غداً أمام تسونامي الوعي الشبابي والجمعي.
فالأرض التي أنبتت الفكر والمسرح رغم جدار الإقطاع، قادرة اليوم على إنبات نخب سياسية شابة تقود أولاد تايمة نحو غدٍ أفضل، لأن الإنسان الهواري كان وسيبقى هو من يصنع هوية المكان وطبيعته.

مقال رأي للكاتب : محمد مفتاح

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News