2.5 مليون يورو ثمنًا لـ “شبه قاتل”.. كواليس أكبر خطأ قضائي في تاريخ إسبانيا ضحيته عامل بناء مغربي

kapressساعتين agoLast Update :
2.5 مليون يورو ثمنًا لـ “شبه قاتل”.. كواليس أكبر خطأ قضائي في تاريخ إسبانيا ضحيته عامل بناء مغربي

بقلم : محمد مفتاح
لم يكن “أحمد طموحي” (75 عاماً) يعلم أن ملامحه البسيطة كعامل بناء مغربي مغترب في إقليم كتالونيا مطلع التسعينيات، ستكون هي ذاتها صكّ إدانته بزنزانة مظلمة سرقت منه 15 عاماً من شبابه خلف القضبان. هذا الأسبوع، وضعت المحكمة العليا في مدريد خط النهاية لواحدة من أعقد وأبشع المآسي الإنسانية في تاريخ القضاء الإسباني الحديث، مقرةً بتعويض تاريخي قدره 2,5 مليون يورو لفائدة طموحي، بعد ثبوت “خطأ قضائي ذو خطورة استثنائية”.
لكن خلف هذا الرقم المليوني الصادم، تكمن تفاصيل مرعبة حول كيف يمكن لمنظومة العدالة أن تضل طريقها بالكامل بناءً على “شبه بصري” وعينات بيولوجية مهملة.
الخطيئة الأولى: الشبه الملعون والتعرف الأعمى (1991)
في خريف عام 1991، هزت سلسلة من جرائم الاعتداء الجنسي والسرقة المروعة أرجاء إقليم كتالونيا. كانت الشرطة الإسبانية تحت ضغط رأي عام مستعر يطالب برأس الجاني. في تلك الأثناء، قادت الصدفة المحضة الأمن إلى توقيف الشاب المغربي أحمد طموحي.
يكشف التحقيق في أرشيف القضية أن الإدانة لم تستند إلى دليل مادي واحد، بل ارتكزت بالكامل على ما يُعرف قانونياً بـ “التعرف البصري الوجاهي”، وضع المحققون طموحي في طابور العرض، وبسبب الشبه الجسدي والملامح المتقاربة جداً حد التطابق بينه وبين المجرم الحقيقي، أشارت الضحايا والشهود بأصابع اتهام مرتعشة إليه. كانت تلك الإشارة كافية ليصدر القضاء حكماً قاصماً بالسجن لمدة 24 عاماً.


الحقيقة المغيبة: عينات الـ ADN في درج النسيان
العنصر الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف هو العلم. ففي الوقت الذي كان فيه طموحي يصرخ ببراءته داخل زنزانته، كانت تحليلات الحمض النووي (ADN) الجنائية آخذة في التطور.
تثبت وثائق مراجعة الحكم أن عينات السائل المنوي والمواد البيولوجية التي رُفعت من مسرح الجريمة آنذاك أُهملت ولم يتم فحصها بدقة لسنوات. وعندما جرى فحصها ومطابقتها لاحقاً بفضل إصرار الدفاع، تفجرت المفاجأة: الخصائص الجينية لا تطابق أحمد طموحي نهائياً.
الأدهى من ذلك، هو أن الفحوصات قادت مباشرة إلى الهوية الحقيقية للفاعل؛ وهو مواطن إسباني يدعى “أنطونيو غارسيا كاربونيل”، مجرم خطير يمتلك سجلاً حافلاً بالاعتداءات، وكان يشبه طموحي بشكل لا يصدقه عقل.


كبرياء البريء: “العفو للمذنبين وأنا لست منهم”
في عام 2006، وبعد أن قضى 15 عاماً كاملة في السجن، حصل طموحي على إفراج مشروط مقيد بالمراقبة القضائية. خلال فترة سجنه وبعدها، عُرضت عليه مراراً صيغ قانونية لتقديم “طلب عفو” إلى وزارة العدل الإسبانية لإسقاط ما تبقى من عقوبته وتسريع حريته بالكامل.
لكن المهاجر المغربي فاجأ المنظومة القضائية برمتها برفض قاطع؛ حيث قال كلمته الشهيرة التي تداولها الإعلام الإسباني بذهول: “العفو يُمنح للمذنبين لطلب المغفرة، أما أنا فبريء، ولن أطلب العفو عن جريمة لم تقترفها يداي“. اختار طموحي الطريق الأشق: مواصلة المعركة القانونية لتطهير اسمه، بدلاً من حرية منقوصة تحت وطأة صك الاتهام.
حكم “العليا”: إدانة صريحة للدولة الإسبانية
لم يكن طريق البراءة مفروشاً بالورود؛ إذ اصطدم طموحي أولاً برفض “المحكمة الوطنية” لطلب التعويض المالي، مما دفعه لخوض معركة أخيرة أمام المحكمة العليا بمدريد.
وجاء منطوق الحكم الأخير صاعقاً؛ حيث أسقط القضاة تماماً الدفوعات السابقة للدولة، ووصفوا ما تعرض له المواطن المغربي بأنه: خرق سافر للمحاكمة العادلة من حيث الاعتماد على شهادات بصرية متناقضة وإغفال الأدلة العلمية. كما هناك تدمير شامل للحياة: حيث سُلبت حرية الرجل، وحُرم من بناء أسرة، وعاش عقوداً بوأد اجتماعي ونفسي لا يمكن جبره.
وبناءً عليه، أمرت المحكمة بتقديم تعويض عاجل بقيمة 2.5 مليون يورو كمسؤولية مدنية مباشرة تقع على عاتق الدولة الإسبانية جراء خلل مرفق القضاء.


صدى الجرح الذي لا يداويه المال
رغم أن الحكم يعد انتصاراً تاريخياً لسيادة القانون، إلا أن الأثر الإنساني يبدو غير قابل للإصلاح. وفي أول تعليق له لوسائل الإعلام بعد الحكم، بدا أحمد طموحي زاهداً في الملايين؛ حيث قال بمرارة: “لقد سرقوا 36 عاماً من عمري وصحتي.. المال لن يعيد لي شبابي الذي ضاع بين الجدران الباردة“.


تظل قضية أحمد طموحي نموذجاً حياً يُدرس في كليات الحقوق حول العالم عن مخاطر “الأدلة الظنية” وكيف يمكن للعدالة المتأخرة جداً، أن تتحول في حد ذاتها إلى شكل من أشكال الظلم المقنن.
إن الخطورة الاجتماعية الصادمة لهذه القضية تكمن في اهتزاز مفهوم “الأمان القانوني” لدى الأفراد؛ فكيف يمكن للمواطن أن يثق في عقد اجتماعي يدفعه ثمن حمايته، بينما يرى بأم عينيه أن أدوات العدالة قد تطحنه في أي لحظة بناءً على دليل ظني واهٍ وانطباع بصري متسرع؟ هذا الخلل لا يسلب الفرد حريته فحسب، بل يلحق به وبأسرته وصمة اجتماعية ونفسية عابرة للقارات، تمزق نسيجه الإنساني ليرى نفسه مجرداً من كرامته، مدفوعاً إلى سجن اجتماعي موازٍ لا تملك صكوك التعويض المالي المتأخرة أي قدرة على محو آثاره أو تطهير جراحه.
أمام هذه الفاجعة الإنسانية، لم تعد مقولة “الخطأ أمر وارد” مقبولة في أدبيات القضاء؛ إذ إن خلف كل ملف وجناية “حياة إنسانية كاملة” لا تحتمل التجريب أو الاستسهال. إن هذه القضية تطلق صرخة مدوية في وجه كل قاضٍ ومحقق، وتفرض لزاماً تاريخياً ومهنياً يدعو إلى تحكيم الضمير والارتقاء بحس المسؤولية الأخلاقية، والاعتماد المطلق على الأدلة العلمية القاطعة دون تهاون أو تسويف. فالعدالة المتأخرة التي تأتي في خريف العمر (75 عاماً) بعد فوات الأوان هي وجه آخر للظلم المقنن، والإصرار على التسرع والاعتماد على الشبهات ليس مجرد تقصير مهني، بل هو طعنة في خاصرة العدالة الكونية وجريمة مكتملة الأركان تُرتكب باسم القانون.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News