بقلم : محمد مفتاح
لم يكن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في مونديال قطر، ولا النهضة الهيكلية الشاملة التي تشهدها المملكة اليوم، مجرد طفرة رياضية أو تنموية عابرة. إنها في الجوهر مواجهة علنية أدارها المغرب باقتدار لتفكيك واحدة من أكبر الأكاذيب الأيديولوجية التي هيمنت على القرن العشرين: أكذوبة “قومية الدم المشترك“. هذه السردية الكلاسيكية، التي حاولت عبرها حواضر مشرقية فرض وصاية ثقافية وسياسية ودينية على شمال إفريقيا، تهاوت اليوم أمام منطق “الدولة-الأمة” السيادية القائمة على المؤسسات، والعمل، والاعتزاز بالجذور الإفريقية والأمازيغية.
معادلة الانتهازية: “شركاء في الفوز.. منبوذون في التعثر”
لقد كشفت الساحة الرياضية، باعتبارها مرآة عاكسة للوجدان الجمعي، عن حجم الانتهازية الهوياتية التي يمارسها العقل الجمعي لتيارات في عرب آسيا والمشرق.
ففي لحظات المجد المونديالي، جرت محاولات مستميتة لـ”تأميم” العرق والجهد المغربي، وتحويل الانتصار الخالص للمملكة إلى صك ملكية عامة لـ”العروبة”، مع تعمد طمس الخصوصية المغربية والتعددية الثقافية التي تزين قميص “أسود الأطلس”.
لكن المفارقة الصادمة تظهر عندما يتعثر المغرب؛ حيث تسقط فجأة لغة “الجسد الواحد”، ويُترك وحيداً في مواجهة الشماتة الإعلامية وسهام النقد المغرض.
إن هذا الهجوم الممنهج على التطور الكروي المغربي، ومحاولات تسفيه نجاحاته عبر اتهامات مرسلة بـ”الكولسة”، ليس سوى تعبير عن “غيرة هيكلية” وعجز عن مجاراة النموذج المغربي الذي استثمر في العقل والبنية التحتية، كأكاديمية محمد السادس، بدلاً من استجداء العواطف.
تفكيك المركزية: إفريقيا ليست “هامشاً بدوياً” لعرب آسيا
لعقود طويلة، تعاملت السرديات المشرقية والآسيوية مع القارة الإفريقية بنوع من الاستعلاء الثقافي، مستندة إلى مركزية دينية ولغوية ترى في حواضر الشرق الأصل، وفي إفريقيا مجرد “أطراف تابعة” أو “هامش بدوي” ملحق. حيث تم تضخيم التاريخ الآسيوي وتعميم ريادته، في المقابل جرى تعتيم وتهميش متعمد للحضارات الإفريقية العظيمة، كالإمبراطورية المغربية بامتداداتها عبر المرابطين والموحدين والسعديين والعلويين.
لقد تناسى أصحاب هذا الفكر الإقصائي أن المغرب يمثل مركز ثقل ديني وروحي مستقل وعميق (إمارة المؤمنين)، صاغ بخصوصيته المذهبية المالكية والعقيدة الأشعرية إسلام غرب القارة الإفريقية لقرون، بل وامتد تأثيره الفكري عبر رجالات التصوف كأبي الحسن الشاذلي والمرسي أبو العباس ليصنع الوجدان الروحي لأهل المشرق أنفسهم، مما يقلب موازين التبعية والريادة المقذوفة من آسيا.
الدبلوماسية الروحية: ريادة عالمية تقطع طريق الوصاية
إن القوة الناعمة للمملكة لم تكن يوماً قائمة على استجداء العواطف القومية، بل على رصيد ضخم من “الدبلوماسية الروحية” العابرة للقارات، والتي تشكل اليوم الرد المغربي العملي على محاولات التهميش. ففي عمق القارة الإفريقية، تظل فاس والزاوية التيجانية قبلة لملايين المريدين في السنغال ونيجيريا ومالي، مما يؤكد ريادة روحية مغربية لا تدين بالفضل لأي مركز مشري.
وفي أوروبا، يقف النموذج الديني المغربي كحائط صد منيع لحماية المساجد والجاليات من سموم الفكر المتطرف والتوظيف السياسي الوافد من الشرق وآسيا، مما دفع دولاً كبرى لطلب الاستعانة بالمملكة لتكوين أئمتها. وفي المشرق ذاته، يبرز الارتباط الروحي والتاريخي بالقدس الشريف؛ فمن “حارة المغاربة” التي أوقفها صلاح الدين الأيوبي لجنود المغرب الشجعان، إلى الدور الميداني والمؤسساتي الملموس الذي تقوده “وكالة بيت مال القدس الشريف” تحت رئاسة العاهل المغربي، يثبت المغرب أن دفاعه عن المقدسات ينطلق من السيادة والعمل لا من المزايدات السياسية لعرب آسيا. بل إن هذا الانفتاح الحضاري يمتد تاريخياً إلى عام 1777، عندما كان المغرب أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، في رسالة كونية تؤمن بالتعايش وحوار الحضارات.
الخاتمة: الرد بالمنجزات والسيادة
يمثل حسم المغرب لهويته وجذوره نقطة تحول تاريخية وضعت حداً نهائياً لأوهام العرق والتبعية. فلم يعد الانتقال من شعارات “قومية الدم” إلى واقع “العروبة الحضارية” القائمة على الندّية مجرد طرح فكري، بل غدا واقعاً يفرضه منطق الإنجاز على الأرض. هكذا تقف المملكة اليوم كنموذج للدولة-الأمة العريقة المتصالحة مع تعددها الأمازيغي، والإفريقي، والأندلسي، والرافد العبري، والمحصنة بمؤسساتها السيادية الحقيقية. بناءً عليه، تفقد حملات التهميش أو الهجوم المغرض أي قيمة لها أمام حقيقة واضحة: زمن الوصاية الفكرية لعرب آسيا قد ولى إلى غير رجعة. فالريادة الحقيقية تصنعها المنجزات والمؤسسات لا الشعارات الرنانة، كما يؤكد التاريخ العريق للمملكة ودبلوماسيتها الروحية العابرة للقارات أن مكانة الشعوب تُنتزع بصلابة جذورها وبسواعد أبنائها، بعيداً عن استجداء صكوك الاعتراف من أي مركز كان.























